أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أحزاب أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الرواشدة يكتب: المضايق العالمية التي يسيطر عليها دول عربية ومسلمة وتأثيرها على الاقتصاد العالمي


أنس الرواشدة

الرواشدة يكتب: المضايق العالمية التي يسيطر عليها دول عربية ومسلمة وتأثيرها على الاقتصاد العالمي

مدار الساعة ـ

تشكل المضايق المائية العالمية نقاط اختناق استراتيجية حيوية للتجارة الدولية وحركة النقل البحري. تمتلك بعض هذه الممرات المائية أهمية قصوى نظراً لموقعها الجغرافي الذي يربط بين مسطحات مائية رئيسية، ويعتبر التحكم أو التأثير على هذه المضايق سلاحاً ذا حدين يمكن أن يؤثر بشكل كبير على سلاسل الإمداد العالمية والاستقرار الاقتصادي. تتمركز العديد من هذه المضايق الحيوية في دول ذات غالبية مسلمة، مما يثير تساؤلات حول مدى تأثيرها المحتمل على الاقتصاد العالمي إذا ما تم إغلاقها أو استثمارها بشكل استراتيجي. تشمل هذه المضايق باب المندب، مضيق جبل طارق، مضيق هرمز، قناة السويس، مضيق ملقا، ومضيق البسفور.

يعد مضيق باب المندب، الذي يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن، أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم. تسيطر اليمن وإريتريا وجيبوتي على سواحله، مما يضع جزءاً كبيراً منه تحت سيطرة دول ذات أغلبية مسلمة. يمر عبر باب المندب ما يقدر بـ 3.3 مليون برميل من النفط يومياً، بالإضافة إلى كميات هائلة من البضائع التجارية المتجهة إلى أوروبا وآسيا وأفريقيا. لو تم إغلاق باب المندب، ستتعطل حركة السفن بشكل كامل، مما سيجبر الناقلات على اتخاذ مسارات أطول وأكثر تكلفة حول رأس الرجاء الصالح، مما يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة والشحن، وتأخير كبير في وصول البضائع، وبالتالي زعزعة استقرار الأسواق العالمية.

وبالمثل، يشكل مضيق جبل طارق، الذي يربط البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي، معبراً استراتيجياً مهماً. تشرف إسبانيا والمغرب على هذا المضيق، حيث تلعب المغرب، الدولة المسلمة، دوراً مهماً في التحكم بحركته. يمر عبره جزء كبير من التجارة بين أوروبا وأفريقيا، فضلاً عن حركة السفن المتجهة إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط. إغلاق هذا المضيق يعني إعادة توجيه حركة التجارة بشكل كامل، مع ما يصاحب ذلك من ارتفاع في التكاليف وزمن الرحلات، مما يؤثر سلباً على الشركات التي تعتمد على هذه الطرق التجارية.

لا يمكن إغفال أهمية مضيق هرمز، الذي يربط الخليج العربي ببحر العرب. تتحكم سلطنة عمان وإيران في هذا المضيق، وتشكل إيران، الدولة المسلمة، قوة مؤثرة في التحكم بحركته. يمر عبر مضيق هرمز ما يقدر بنحو 20% من إجمالي استهلاك النفط العالمي، بالإضافة إلى كميات هائلة من الغاز الطبيعي المسال. أي إغلاق أو تعطيل لحركة المرور في هرمز سيكون له تداعيات كارثية على أسعار الطاقة العالمية، وسيدفع الأسواق نحو حالة من عدم اليقين والركود.

تعتبر قناة السويس، التي تقع في مصر، شريان الحياة الرئيسي للتجارة العالمية، حيث تربط بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر. على الرغم من أن مصر دولة مسلمة، إلا أن القناة تديرها هيئة قناة السويس المصرية، وهي هيئة عامة. تمر عبر القناة حوالي 12% من حجم التجارة العالمية، بما في ذلك نسبة كبيرة من الشحنات النفطية وغير النفطية بين آسيا وأوروبا. إغلاق قناة السويس، أظهر مدى هشاشة سلاسل الإمداد العالمية. لو تم إغلاقها بشكل متعمد، ستعود السفن إلى المسار الطويل حول أفريقيا، مما يضاعف تكاليف النقل وزمن الوصول، ويؤثر على المخزونات العالمية.

مضيق ملقا، الذي يقع بين شبه جزيرة ماليزيا وسمطرة (إندونيسيا)، هو أحد أهم الممرات المائية في العالم، حيث يربط بين المحيط الهندي والمحيط الهادئ. تسيطر ماليزيا وإندونيسيا، دولتان مسلمتان، على أجزاء منه. يمر عبره حوالي ثلث حركة التجارة العالمية، ونصف الشحنات النفطية المتجهة إلى شرق آسيا. إغلاقه سيشكل ضربة قوية للاقتصادات المعتمدة على التجارة عبر المحيط الهادئ، وسيؤدي إلى اضطرابات واسعة النطاق في سلاسل التوريد.

أما مضيق البسفور، الذي يربط البحر الأسود ببحر مرمرة، ثم إلى البحر المتوسط عبر مضيق الدردنيل، فهو ممر استراتيجي حيوي لروسيا والدول المحيطة بالبحر الأسود. تتحكم تركيا، الدولة المسلمة، في هذا المضيق. تمر عبره كميات كبيرة من النفط والغاز والبضائع الزراعية القادمة من روسيا ودول شرق أوروبا. أي قيود على حركة المرور في البسفور ستؤثر بشكل مباشر على إمدادات الطاقة والسلع لعدد من الدول، مما قد يؤدي إلى تقلبات في الأسعار وندرة في بعض الأسواق.

إن استثمار هذه المضايق بشكل استراتيجي، بدلاً من إغلاقها، يمكن أن يحولها إلى أدوات للنمو الاقتصادي والتنمية للدول التي تسيطر عليها. يمكن للدول المعنية أن تستفيد من رسوم العبور، وتطوير البنية التحتية للموانئ، وجذب الاستثمارات في الخدمات اللوجستية والصناعات المرتبطة بالنقل البحري. كما يمكنها أن تلعب دوراً أكبر في رسم ملامح التجارة العالمية من خلال تقديم تسهيلات وتطوير سياسات تخدم مصالحها الاقتصادية. ومع ذلك، فإن أي استثمار أو سياسات تتعلق بهذه المضايق يجب أن تأخذ في الاعتبار المصالح الاقتصادية العالمية، وتجنب اتخاذ إجراءات أحادية قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار.

من ناحية أخرى، يشكل إغلاق هذه المضايق تهديداً وجودياً للاقتصاد العالمي. لن تقتصر العواقب على ارتفاع أسعار النفط والغاز، بل ستشمل أيضاً ارتفاع تكاليف الإنتاج، وندرة السلع، وتوقف العديد من الصناعات التي تعتمد على الإمدادات المستمرة. ستضطر الشركات إلى البحث عن بدائل مكلفة، وقد يؤدي ذلك إلى إعادة هيكلة جذرية لخارطة التجارة العالمية. يمكن أن تتسبب مثل هذه الإجراءات في حدوث ركود اقتصادي عالمي، وتوترات سياسية، وصعوبات تواجه الدول النامية بشكل خاص.

في الختام، تمثل المضايق المائية التي تقع تحت سيطرة أو تأثير دول مسلمة نقاطاً حيوية للاقتصاد العالمي. إن إغلاق أي من هذه المضايق، مثل باب المندب، جبل طارق، هرمز، السويس، ملقا، أو البسفور، سيكون له عواقب وخيمة تتجاوز حدود الدول المعنية، وتؤثر على سلاسل الإمداد العالمية، وأسعار الطاقة، والإنتاج الصناعي، والاستقرار الاقتصادي على نطاق واسع. في المقابل، فإن الاستثمار الاستراتيجي لهذه الممرات البحرية يمكن أن يفتح آفاقاً واسعة للتنمية الاقتصادية لهذه الدول، مع ضرورة الحفاظ على توازن يحترم المصالح العالمية ويضمن استمرارية حركة التجارة الحيوية. إن فهم هذه الديناميكيات أمر بالغ الأهمية لصانعي السياسات ورجال الأعمال في جميع أنحاء العالم.

مدار الساعة ـ