أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

بطاح يكتب: فواعل الإقليم غداة اليوم التالي للحرب!


د. أحمد بطاح

بطاح يكتب: فواعل الإقليم غداة اليوم التالي للحرب!

مدار الساعة ـ

والمقصود بفواعل الإقليم في هذا السياق هي: إسرائيل، وتركيا، وإيران، فهي التي -وبغض النظر عن الأنظمة الحاكمة فيها- تلعب دوراً مهما في الشرق الأوسط. فإسرائيل كما هو معروف مارست إبادة جماعية في قطاع غزة، واحتلت أجزاء كبيرة من جنوب سوريا، وهي تُحارب الآن في جنوب لبنان. فضلاً عن أنها ضربت أنصار الله الحوثيين في اليمن، وتركيا كان لها دور مؤثر في إسقاط النظام السوري السابق، وما زالت تحتل مناطق واسعة في شمال سوريا، كما كان لها دور كبير في إنهاء نفوذ منظمة "قسد" الكردية في شمال شرق سوريا، وذلك فضلاً عن تواجدها العسكري في قطر وليبيا والصومال، أما إيران فهي تخوض الآن معركة كبيرة ضد أقوى دولة في العالم، وهي الولايات المتحدة، وضد أقوى دولة في الإقليم عسكرياً وهي إسرائيل، وبالإضافة إلى ذلك، فلها "أذرع" (حلفاء إن شئت) في العراق، ولبنان، واليمن، وهم يشاركون معها الآن في المعركة الدائرة مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.

وحيث أن معظم المؤشرات توحي بأنّ الحرب الدائرة على وشك التوقف، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف سوف يكون وضع هذه الدول الفاعلة في المنطقة بعد انتهاء الحرب، وبخاصة أن بيئتها الاستراتيجية مشتركة وواحدة تقريباً؟

أولاً: فيما يتعلق بإسرائيل على الأرجح أنها سوف تُبقي على قوتها ونفوذها في المنطقة، ولن تنسحب من الأراضي السورية (الجولان وجنوب سوريا)، والأراضي اللبنانية (حتى الليطاني)، وسوف تحرص الدول الغربية، وبخاصة الولايات المتحدة، على ضمان تفوقها النوعي على كل الدول في المنطقة، ولكنها في نفس الوقت لن تحظى بالقبول، وسوف تظل تعاني من انفجارات (كبيرة أو صغيرة) محتملة، سواء من الشعب الفلسطيني الذي ينتظر قيام دولته حسب "حل الدولتين" أو من الدول الأخرى المنافسة في الإقليم كإيران مثلاً.

ثانياً: فيما يتعلق بتركيا، التي تمارس "ثورة تنموية" صامتة (منذ استلام أردوغان الحكم في 2002) فمن المتوقع أن تُعظّم قوتها ونفوذها وأن تحافظ على استراتيجيتها القائمة على عدم الانخراط في الحروب، ومن المعروف أنها دولة محمية بحلف شمال الأطلسي (الناتو) وبقوتها التي تشكل ثاني أكبر قوة عسكرية في الحلف بعد الولايات المتحدة، وقد يزيد في قوتها، أنها "حيّدت" القضية الكردية بعد الاتفاق مع حزب العمال الكردستاني على نزع سلاحه، وإنهاء موضوع "قسد" في شمال شرق سوريا، وذلك فضلاً عن نفوذها المتنامي في أفريقيا، وبخاصة في منطقة القرن الإفريقي، ذات الأهمية الاستراتيجية الحساسة.

ثالثاً: فيما يتعلق بإيران من الوضح تماما أنها -وبغض النظر عن بقاء نظامها السياسي- سوف تكون "مهشمة" وبحاجة إلى فترة طويلة للتعافي وبخاصة إذا لم يتم اتفاق بينها وبين الولايات المتحدة، على رفع "عقوبات الحد الأقصى عنها"، ولكن من الجهة الأخرى سوف تظل إيران لاعباً فاعلاً في الإقليم من خلال أذرعها التي برهنت على ولاء، وارتباط واضح معها خلال الحرب، ومن خلال تحكمها بمضيق هرمز الإستراتيجي (يمر منه 20% من إمدادات الطاقة العالمية: نفط + غاز + أسمدة + ألمنيوم)، وإمكانية تحكمها أيضاً (من خلال الحوثيين) بمضيق باب المندب على البحر الأحمر (تمر منه 12% من تجارة العالم)، ولعلّنا نضيف في هذا السياق أنّ إيران ترتبط بعلاقات تجارية قوية جداً مع بعض دول الخليج العربي (وبالذات الإمارات العربية المتحدة وقطر) ولذا فليس مستبعداً أن تعود علاقات إيران مع هذه الدول إلى طبيعتها، برغم الضربات المؤثرة التي وجهتها إيران لها أثناء الحرب.

وفي المحصلة فإنّه لن يطرأ تغيير جيو إستراتيجي مهم على وضعية هذه الدول الفاعلة في الإقليم (إسرائيل، تركيا، إيران) وتظل الحقيقة المؤلمة أن هذه الدول تتحرك في منطقة مهمة جداً من العالم يشغل العرب فيها موقعاً مهماً (قناة السويس، مضيق باب المندب، مضيق هرمز)، ويمتلكون فيها أهم الثروات التي تشكل عصب صناعة العالم، وهي النفط والغاز (يملك العراق ثاني أكبر احتياطي نفط في العالم، والسعودية هي أكبر منتج للنفط في العالم، فضلاً عن قطر التي تعتبر المُصدّر الأول للغاز المسال في العالم، ولكنهم للأسف لا يتوفرون على "مشروع عربي" تتبناه دولة عربية محورية، بحيث تكون منافسة حقيقية للفواعل الثلاثة الآنفة الذكر.

إنّ الحياة لا تقبل الفراغ وما لم يتحرك العرب لأخذ موقعهم على المسرح العالمي، فسوف تظل القوى الأخرى في منطقتهم هي التي تملأ الفراغ وتقوم بالدور، ولكن الأمل يظل مع ذلك معقوداً في أن تنهض الأمة العربية للقيام بدورها التاريخي شأنها في ذلك شأن الأمم الحية الأخرى، وعندها يصبح واضحاً لماذا يجب ألّا نتكلم عن فواعل ثلاثة بل عن فواعل أربعة.

مدار الساعة ـ