مدار الساعة - كتبت غزل بني هاني -
يُعدّ العمل المجتمعي وخدمة المجتمع من الركائز الأساسية التي تقوم عليها نهضة المجتمعات وتطوّرها، حيث يعكس مستوى الوعي والمسؤولية لدى الأفراد، خاصة فئة الشباب. ولم يعد العمل التطوعي في وقتنا الحاضر مجرد نشاط إضافي أو خيار ثانوي، بل أصبح عنصرًا مهمًا في بناء شخصية الإنسان، وتطوير مهاراته، وتعزيز حضوره في مختلف المجالات.يسهم العمل المجتمعي بشكل كبير في تعزيز قيم الانتماء والمسؤولية لدى الشباب، إذ يشعر الفرد من خلال مشاركته في المبادرات والأنشطة التطوعية بأنه جزء فاعل في مجتمعه، وليس مجرد متلقٍ للخدمات. وهذا الإحساس يدفعه إلى التفكير بوعي أكبر تجاه القضايا المجتمعية، ويعزز لديه روح المبادرة والرغبة في التغيير الإيجابي. كما أن هذه التجارب تساعد الشباب على تكوين رؤية أوضح حول دورهم في المجتمع، وتمنحهم دافعًا للاستمرار في العطاء.وعلى مستوى الشخصية، يلعب العمل المجتمعي دورًا مهمًا في بناء الثقة بالنفس وصقل مهارات التواصل. فالتفاعل مع فئات مختلفة من الناس، والعمل ضمن فرق متنوعة، والمشاركة في تنظيم الفعاليات، كلها تجارب تُكسب الشاب مرونة في التعامل، وقدرة على التعبير عن أفكاره بوضوح. كما يتعلم كيفية مواجهة التحديات والتعامل مع المواقف المختلفة، مما ينعكس إيجابًا على نضجه الشخصي واستقلاليته.أما من ناحية المهارات، فإن العمل التطوعي يُعتبر بيئة تطبيقية حقيقية تتيح للشباب اكتساب خبرات عملية لا يمكن الحصول عليها من خلال التعليم النظري فقط. فمن خلال المشاركة في الأنشطة المجتمعية، يمكن للشباب تطوير مهارات القيادة، والعمل الجماعي، وإدارة الوقت، والتخطيط، وحل المشكلات. كما أن بعض المبادرات تتيح لهم اكتساب مهارات تقنية وإعلامية، مثل إعداد المحتوى، والتصميم، والتنظيم اللوجستي، وهي مهارات أصبحت ذات أهمية كبيرة في العصر الحديث.وفيما يتعلق بسوق العمل، فقد شهدت متطلبات التوظيف تغيرًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، حيث لم تعد الشهادات الأكاديمية وحدها كافية للحصول على فرص مميزة، بل أصبحت الشركات تبحث عن أفراد يمتلكون مهارات عملية وتجارب واقعية. وهنا يبرز دور العمل المجتمعي كعنصر قوة في السيرة الذاتية، إذ يعكس التزام الفرد، وقدرته على العمل ضمن فريق، وروحه القيادية، واستعداده لتحمّل المسؤولية. كما أن وجود خبرات تطوعية يدل على شخصية نشيطة ومبادِرة، وهو ما يميّز المتقدمين في بيئة تنافسية.إضافة إلى ذلك، يوفّر العمل المجتمعي فرصة مهمة لبناء العلاقات والتشبيك مع أشخاص من خلفيات وخبرات متنوعة، الأمر الذي قد يفتح آفاقًا جديدة للتدريب أو العمل في المستقبل. فكثير من الفرص تبدأ من معرفة، أو تجربة، أو مشاركة بسيطة في نشاط تطوعي.وفي الختام، يمكن القول إن العمل المجتمعي لا يقتصر على تقديم المساعدة للآخرين، بل هو استثمار حقيقي في بناء الذات وتنمية القدرات. فهو يسهم في تطوير شخصية الشباب، ويعزز مهاراتهم، ويمهّد لهم الطريق نحو فرص مهنية أفضل. ومن هنا، تبرز أهمية ترسيخ ثقافة العمل التطوعي في المجتمع، وتشجيع الشباب على الانخراط فيه، لما له من أثر إيجابي مستدام على الفرد والمجتمع معًا.










