جميعنا يعرف أن المياه في الأردن شحيحة، وتعد الأردن من "أفقر دول" العالم مائيا، وبالرغم من ذلك فإن أسعارها من الأرخص عالميا، و"نسبة هدرها"مرتفعة دون أي حساب لندرتها، والأهم أن الحكومة "تدعمها"رغم ظروفها المالية الصعبة، حتى راكمت بهذا الدعم مديونية تقدر بـ 12% من مديونية المملكة، أو ليس أمرها عجيب فعلاً؟.
هذا "العجب" ليس تناقضا عابرا، بل هو انعكاس لسياسة مائية معقدة تحاول التوفيق بين الندرة الشديدة ومتطلبات الاستقرار الاجتماعي، فالأردن للاسف يعيش تحت خط الفقر المائي بكثير، إذ لا تتجاوز حصة الفرد نحو 60 مترا مكعبا سنويا، مقابل 500 متر كحد أدنى عالميا، مع عجز سنوي يقارب 200 مليون متر مكعب.وسط هذا المشهد المعقد مائيا، تم بالامس توقيع اتفاقية نهائية لمشروع الناقل الوطني، برعاية رئيس الوزراء جعفر حسان، في مؤشر على تحول استراتيجي في إدارة الأزمة والانتقال من البحث عن مصادر تقليدية محدودة، إلى "تصنيع المياه" عبر تحلية مياه البحر الأحمر ونقلها إلى الداخل.المشروع وعند انتهاء مراحله سيضخ نحو 300 مليون متر مكعب سنويا، ما يغطي قرابة 40% من احتياجات مياه الشرب، ويرفع حصة الفرد لنحو 110 أمتار مكعبة، مع تحسن ملموس في التزويد يصل إلى ثلاثة أيام أسبوعيا.وهنا تعود المفارقة بصورة أكثر تعقيدا، فالمياه التي ستنتج عبر "الناقل الوطني"مرتفعة الكلفة، إذ تبلغ نحو2.7 دولار للمتر المكعب بعد التفاوض، في حين ستباع للمواطن بأسعار مدعومة تقل كثيرا عن كلفتها الحقيقية، وهذا يعني أن الدولة ستستمر عمليا بلعب دور الممول الخفي، سواء عبر تحمل جزء من الكلفة الرأسمالية التي تتجاوز 5.8 مليارات دولار، أو عبر دعم السعر النهائي.ومن هنا تبرز "العقدة الاقتصادية" الأهم، فالدعم الذي راكم مديونية قطاع المياه إلى نحو 12% من إجمالي مديونية الدولة، وهذا الرقم مرشح للارتفاع مع دخول مشروع التحلية العمل، فكل متر مكعب جديد سينتج بكلفة أعلى، وسيباع بسعر مدعوم، ما يوسع الفجوة بين الكلفة والإيراد.مشروع الناقل الوطني ضخم، إلا أنه لا ينهي الأزمة، فالأردن سيبقى تحت خط الفقر المائي حتى بعد تشغيل المشروع، ما يعني أن الحل الحقيقي لن يكون في زيادة العرض فقط، بل في إدارة الطلب أيضا، عبر خفض الفاقد، تحسين الكفاءة، وإعادة تعريف قيمة الماء في الوعي والسلوك.خلاصة القول، قد لا يكون "عجب" المياه في الأردن مجرد مفارقة بين الندرة والسعر، بل تعبير عن معضلة أعمق، وتكمن في ان الدولة مضطرة لشراء أمنها المائي بكلفة مرتفعة، بينما تبيعه بسعر منخفض لمواطنيها، وبين هذين الحدين، يبقى السؤال إلى متى يمكن الاستمرار بهذه المعادلة؟المياه في الأردن… أمرها عجيب!!
مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ