أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

صناعة المستقبل لا يمكن تأجيلها


مكرم الطراونة

صناعة المستقبل لا يمكن تأجيلها

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

في لحظة إقليمية تشتعل فيها المنطقة بالحرائق، وتتشابك فيها حسابات الأمن بالاقتصاد، تبدو دول كثيرة وكأنها تؤجل المستقبل واضعة إياه في خانة الانتظار، مكتفية بإدارة الخطر لتفادي الأسوأ. في هذا السياق المزدحم بالقلق، يختار الأردن طريقا مختلفا، فهو لا يغمض عينيه عن التحديات، لكنه لا يجعل منها مشجبا لتعطيل الإنجاز.

خلال أيام قليلة فقط، تتالت الإعلانات عن مشاريع إستراتيجية كبرى: مشروع سكة حديد العقبة، ثم توقيع الاتفاقية الفنية القانونية النهائية لمشروع الناقل الوطني، ما يمثل إشارات سياسية واقتصادية عميقة تؤكد أن الدولة الأردنية لا تتحرك بمنطق رد الفعل، ولا تنتظر هدوء الإقليم لكي تنفذ خططها.

ما يكشفه هذا الأداء هو ثقة بقدرة الدولة على إدارة التوازنات الدقيقة، وثقة بالمستقبل الذي نستطيع أن نشكله وفق طموحات الإنسان الأردني، فالدول التي تخشى الغد تؤجل الاستثمار فيه، أما الدول التي ترى فيه امتدادا لإرادتها، فإنها تسرع الخطى نحوه، حتى لو كان الطريق محفوفا بالتعقيدات.

مشروع الناقل الوطني، مثلا، لا يمكن قراءته فقط من زاوية توفير المياه، فأرقامه بحد ذاتها كفيلة بإعادة تعريف مفهوم الأمن المائي في الأردن. فالحديث عن مئات الملايين من الأمتار المكعبة سنويا، يؤشر إلى مشروع بنية تحتية ضخم، وإلى إعادة هندسة لعلاقة الدولة مع أحد أكثر مواردها حساسية. المياه في الأردن مسألة سيادية تتصل بالاستقرار الاجتماعي، وبالقدرة على التخطيط طويل الأمد، وبإمكانية التحرر من ضغوط الجغرافيا السياسية التي طالما تم استخدامها ضدنا.

المشروع، ضمن رؤية التحديث الاقتصادي، يتجاوز كونه استجابة لحاجة ملحّة، ليصبح استثمارا في الاستقلال الوطني، فالأمن المائي ليس ترفا تنمويا، بل شرطا أوليا لأي مشروع اقتصادي أو صناعي، وكل تأخير في هذا المسار يعني تأجيلا لسلسلة كاملة من الإمكانات.

أما مشروع سكة حديد العقبة، فهو بدوره يعيد الاعتبار للموقع والدور، فالأردن يسعى اليوم إلى ترجمة موقعه إلى بنية اقتصادية متكاملة. الربط اللوجستي، وتسهيل حركة البضائع، وتعزيز دور الموانئ، كلها عناصر لا تنفصل عن رؤية أوسع لتحويل الجغرافيا إلى اقتصاد، فالموقع، في ذاته، لا يخلق قيمة ما لم يتم دعمه ببنية تحتية قادرة على استثماره.

في الحالتين، نحن أمام مشاريع لا يتم بناؤها بالإسمنت والحديد، فحسب، وإنما أيضا بالثقة، وهي التي تجلت بالشراكات الدولية التي رافقت هذه المشاريع. فالدخول في التزامات مالية وفنية بهذا الحجم، في إقليم مضطرب، لا يمكن أن يتم دون وجود تقدير دولي عميق لاستقرار الأردن، ولموثوقية مؤسساته وقدرته على الوفاء بالتزاماته. هذه الشراكات هي "تصويت صامت" على مكانة الأردن في معادلات الثقة العالمية.

والأهم من ذلك، أن هذه المشاريع تعكس فهما حكوميا لطبيعة اللحظة، فالتحديات التي يواجهها الأردن اليوم مركبة، تتشكل من ضغوط اقتصادية وتحولات إقليمية، إضافة إلى تغيرات في أنماط التمويل والاستثمار عالميا. التعامل مع هذه التحديات يتم من خلال توسيع قاعدة الفعل، وبناء أدوات جديدة للتعامل مع المستقبل، وهو ما يبدو واضحا في تسارع وتيرة الإنجاز، وغياب التردد الذي كثيرا ما أوقف تنفيذ خططنا.

كل مشروع وطني كبير، في النهاية، هو وعد غير مباشر للمواطن بأن الدولة قادرة على الفعل وتحسين شروط الحياة، وعلى التفكير بما هو أبعد من إدارة الأزمات اليومية، وهو بعد معنوي لا يقل أهمية عن البعد الاقتصادي، فالثقة العامة واحدة من أهم الموارد غير الملموسة لأي دولة.

الأردن الذي ابتلي بموقع جغرافي لا يحسد عليه، لا يتجاهل ما يجري حوله، لكنه يرفض أن يكون أسيرا له. لذلك فهو ينهمك في بناء اقتصاد أكثر تماسكا، وبنية تحتية أكثر كفاءة، وقدرة أعلى على الصمود، لأننا ندرك أن صناعة المستقبل لا يمكن تأجيلها بانتظار استقرار المنطقة.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ