أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أبو زيد يكتب: مأساةُ اليوم.. بينَ الأَمْسِ والغَد


زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار

أبو زيد يكتب: مأساةُ اليوم.. بينَ الأَمْسِ والغَد

زيد أبو زيد
زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار
مدار الساعة ـ

في زمنِ الإِنجازاتِ العظيمةِ التي حقّقها وطني الأردن، قيادةً وشعبًا، وفي خِضَمِّ صِراعاتٍ مُعقّدةٍ تُلقي بظلالِها على الإقليمِ والعالم، تَبرُزُ المأساةُ كعنوانٍ عريضٍ لمرحلةٍ مُضطربة. وبينما تشتعلُ الحربُ الهمجيةُ التي يشنّها الكيانُ الصهيونيُّ المُتطرّف على قطاعِ غزّةَ والضفّةِ الغربية، دونَ مشروعٍ عالميٍّ أو عربيٍّ حقيقيٍّ لوقفِ هذا الانفلات، يَستمرُّ الدَّورُ الأردنيُّ ثابتًا، مدافعًا عن حقِّ الشعبِ الفلسطينيِّ في إقامةِ دولتِه المُستقلةِ على أرضِه وعاصمتِها القُدس. ويزدادُ هذا الدورُ شرفًا بثباتِ الوصايةِ الهاشمية على المقدساتِ الإسلاميةِ والمسيحيةِ، وفي مقدمتها المسجدُ الأقصى المُبارك، بوصفِها عهدًا تاريخيًّا ومسؤوليةً سياسيةً وروحيةً لا تقبلُ التنازل.

وفي الوقتِ الذي يُواجِهُ فيه الأردنُ آثارَ الصِّراعاتِ الإقليميةِ والدوليةِ، بحِكمةِ القائدِ ووَعيِ الشَّعب، فإنّه يُدركُ أنّه جزءٌ من نسيجٍ عالميٍّ لا يُمكنُ الانفصالُ عنه، ولا العيشُ في عزلةٍ عن تحوّلاته. فالعالمُ اليومَ يُعادُ تشكيلُه، وقد يَتّجهُ نحوَ نظامٍ ثنائيِّ القطبيةِ أو مُتعدِّدِ الأقطاب، حيثُ تَتصاعدُ أدوارُ قوى كالصين وروسيا، فيما تُحاولُ الولاياتُ المتحدةُ استعادةَ توازنِها للعبورِ الآمنِ من أزماتها.

غيرَ أنّ المأساةَ الفلسطينيةَ—على امتدادِ عقودٍ طويلة—لم تَغِبْ لقصورٍ في عدالتِها، بل لِفائضِ التعقيدِ في عالمٍ يُديرُ أولوياتِه بمنطقِ القوّةِ لا بمنطقِ الحق. فكثيرًا ما تَتشابكُ الأزماتُ الإقليميةُ والدوليةُ، فتَحجبُ فلسطينَ عن عقلِ العالم، رغمَ أنّها القضيةُ التي كان يجبُ أن تَبقى في صدارةِ الاهتمام، وأن تُطبَّقَ فيها قراراتُ الشرعيةِ الدوليةِ، وتُنجَزَ العدالةُ لشعبٍ يُعاني الأمرَّين تحتَ الاحتلال: تهجيرًا وتشريدًا، وتهويدًا للأرضِ والهُويّة، وقتلًا مُمنهجًا وحربَ إبادةٍ تُرتَكَبُ بلا وازعٍ من قِيَمٍ أو أخلاق.

ولم يَكُنْ تغييبُها وليدَ اللحظة، بل نتيجةَ تراكُمِ أزماتٍ كبرى شغلتِ العالمَ وأزاحتِ البوصلة. فالتوترُ بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وتصاعدُ المواجهاتِ بين إسرائيل ولبنان، واتساعُ رقعةِ الصراعِ في الإقليم، كلُّها ملفاتٌ طغت على المشهد، حتى غابَ الحديثُ الجادُّ عن إعادةِ الإعمارِ في غزّة، وعن دورِ مجلس الأمن الدولي في تحقيقِ الاستقرار، وكأنّ القضيةَ التي كانت معيارَ العدالةِ في العالم أصبحتْ ضحيّةَ ازدحامِ الأزمات.

إنّها مآسٍ تتشابهُ في الجوهرِ وإن اختلفت في التفاصيل؛ مآسٍ تُجسِّدُ تَفكُّكَ الجغرافيا، وتَشظّي الهُويّة، وتَغوُّل المصالحِ على حسابِ الإنسان. وكأنّنا أمامَ مشهدٍ يُعيدُ إنتاجَ ذاتهِ بصورٍ مُتعدّدة، حيثُ تتوارى القِيَمُ، ويَعلو صخبُ المصالح، وتُختزلُ الأوطانُ في صِراعاتٍ لا تنتهي.

ولعلّ استحضارَ مأساةِ الحلاج، وما كُتِبَ عنها من أدبٍ وفكر، ليسَ إلا مرآةً تُقاربُ ما نعيشهُ اليوم؛ فبينَ ماضٍ كُتِبَ بدمِ الفكرة، وحاضرٍ يُكتَبُ بدمِ الشعوب، تتقاطعُ الحكاياتُ وتختلفُ الوجوه. كما يستحضرُ الوجدانُ صوتَ الشاعرِ الشهيدِ عبد الرحيم محمود وهو يقول:

“وسابقتُ النَّسيمَ ولا افتخارَ… أليسَ عليَّ أن أفدي بلادي”

فالشاعرُ شهيدٌ، والأمّةُ جريحة، وكلاهما يَكتُبُ تاريخَهُ إمّا بالحبرِ أو بالدم.

أمّا صراعاتُ الحاضر، فقد غدتْ مدخلًا لنظامٍ عالميٍّ جديدٍ تتبدّلُ فيه القواعد، وتُعادُ فيه صياغةُ العلاقاتِ الدوليةِ على إيقاعِ القوّةِ لا العدالة. وقد تراجعتْ أحلامُ التنميةِ أمامَ تصاعدِ الخوفِ من المجهول، وتحوّلتْ رفاهيةُ الشعوبِ إلى هاجسِ بقاء.

إنّ الذين يَرسمونَ سياساتِ هذا العصر قد أغرتهمُ القوّةُ، واستمرأوا الظُّلم، حتى باتتْ مصالحُهم فوقَ كلِّ اعتبار. غيرَ أنّ الأُممَ الحيّةَ لا تموت، وأمّتنا، رغمَ ما أصابها، ما زالتْ تختزنُ في أعماقها طاقةَ النهوض. فهي كالأرضِ الصخريةِ التي قد تبدو قاسيةً، لكنها تُخفي في جوفها ينابيعَ الحياة.

وما بينَ واقعٍ مُثقَلٍ بالمآسي، وأملٍ يتجدّدُ مع كلِّ فجر، تبقى الحاجةُ مُلحّةً إلى عملٍ جماعيٍّ يُعيدُ للإنسانِ كرامتَه، ويُعيدُ لفلسطينَ مكانتَها في ضميرِ العالم، حتى تنالَ حقَّها العادلَ في الحريةِ والديمقراطيةِ والحياةِ الفُضلى.

ستبقى فلسطينُ البوصلةَ، وإنْ حاولتِ الأزماتُ إزاحتَها، لأنَّ الحقَّ لا يَغيبُ… بل يُؤجَّلُ، حتى يَحينَ له فجرُ الانتصار.

مدار الساعة ـ