أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الراجحي يكتب: هل بكينا عروبتنا؟!


أ.د. مناور بيان الراجحي
استاذ الصحافة والإعلام بجامعة الكويت

الراجحي يكتب: هل بكينا عروبتنا؟!

أ.د. مناور بيان الراجحي
أ.د. مناور بيان الراجحي
استاذ الصحافة والإعلام بجامعة الكويت
مدار الساعة ـ

ليس هذا السؤال ترفاً فكرياً أو انفعالاً عاطفياً عابراً، بل هو استدعاء موجع لمعنى الهوية في زمن تتهاوى فيه المفاهيم التي شكلت وجدان الأمة العربية لعقود. "العنوان" هو عبارة عن صرخة مكتومة في حنجرة كل كويتي وخليجي وعربي يرى محيطه يستباح، لا بالقوة العسكرية الخشنة فحسب، بل عبر غزو إعلامي وفكري منظَّم يسعى إلى تفكيك البنية الرمزية والاجتماعية التي كانت تجمعنا. إن المرء ليجد نفسه محاصراً بمرارة المشهد حين يرى الكويت، منارة حريته، ودول الخليج والأردن قلب العروبة النابض، واقعتين تحت تهديدات تتجاوز الجغرافيا لتطال الوعي والكيان والهوية.

الإعلام العربي:

حين تناقش أدبيات الإعلام الدولي مفهوم "النظام الإعلامي العربي"، فإنها تشير إليه –نظرياً– كأداة للوحدة والتنوير ومواجهة الاستلاب الثقافي، غير أن الواقع الراهن يكشف انهيار هذا الدور التكاملي لصالح مناخٍ من التناحر الإعلامي الذي يغذِي الانقسام الداخلي. لقد تحول الإعلام العربي، في كثير من تجلياته الحديثة، من فضاء للحوار العقلاني إلى ميدانٍ للتخوين والتجريح، ومن منبرٍ للتنوير إلى ساحة تعيد إنتاج الصراعات السياسية والاجتماعية بأسلوب فج. هذا ما يمكن تسميته بـ "الانتحار الإعلامي الذاتي"، حيث يوجه الإعلام سلاحه نحو الداخل، تاركاً الساحة شاغرة لقوى النفوذ الإقليمي وللآلة الإعلامية الموجهة التي تتقن إدارة الصراع النفسي وتطويع العقول.
إن غياب المسؤولية المهنية، وتلاشي المعايير الأخلاقية في بعض الخطابات، مكنا القوى المعادية من استغلال التناقضات البينية لإعادة تشكيل الصورة الذهنية للعرب عن أنفسهم، حتى غدا الإعلام صانعاً للأزمة بدلاً من أن يكون مفتاحاً لحلها، ومكرساً لثقافة الريبة بدلاً من ثقافة المواجهة الواعية.

الصواريخ فوق الرؤوس... والكلمات فوق الجراح:

في خضم تصاعد التهديدات الإقليمية، وخصوصاً تلك القادمة عبر "دبلوماسية الصواريخ" والمسيرات، تطرح أسئلة جوهرية حول موقع الإعلام العربي من منظومة الأمن القومي، فالصواريخ التي تعبر أجواء الخليج والأردن لا تمثل خرقاً أمنياً للحدود والسيادة فحسب، بل هي تعبير صارخ عن خلل في "نظام الوعي الجمعي" الذي يفترض أن يحمي المجال الرمزي للأمة، فالإعلامي، بوصفه خط الدفاع الأول، كان ينبغي أن يضطلع بمهمة كشف الأجندات التوسعية وتفنيد رواياتها التضليلية، لا أن يكتفي بدور المراقب المحايد أو يبرر ضمنياً، تحت ستار "تعدد الآراء"، خطاب المعتدي، إن تشتت الخطاب العربي وغياب الإستراتيجية الإعلامية المشتركة جعل الصوت العربي ضعيف الحضور في المحافل الدولية، مما سمح لخصوم المنطقة بتسويق رواياتهم وتصوير عدوانهم كأنه "حق مشروع" أو "دفاع عن المظلومين"، في ظل غياب "إعلام المصلحة العليا" الذي يتبنى خطاب السيادة والوعي التاريخي.

مسؤولية الكلمة:

كباحث في "قيم الولاء والانتماء الوطني في الخطاب الصحفي"، أجد أن ما يشهده المشهد الإعلامي العربي لم يعد مجرد قصورٍ مهني يمكن معالجته بورش عمل تقنية، بل هو تراجع حاد في منظومة القيم الأساسية، فالولاء، في جوهره الأكاديمي والوطني، ليس تبعية سياسية عمياء، بل هو ألتزام أخلاقي يحمي المجتمع من ذوبان هويته أمام التيارات الوافدة.

إننا اليوم أمام تحدي "السيادة الإدراكية"؛ حيث تشن الحروب على العقول قبل الأرض، ومن هنا، يصبح بناء خطاب إعلامي متوازن، متجذر في الانتماء وقادر على النقد الرشيد، ضرورة وجودية،فالحراك الإعلامي العربي بحاجة ماسة إلى انتقال نوعي من "الارتكاس العاطفي" اللحظي إلى "التفكير الاستراتيجي" بعيد المدى، مدركين أن عزلة أي قطر عن أشقائه تعني مزيداً من الهشاشة أمام القوى الطامعة التي لا تفرق بين عاصمة عربية وأخرى في مشاريعها التوسعية.

نحو وعي يتجاوز البكاء:

قد نبكي على العروبة كقيمة رمزية جريحة، لكن ما يجب أن نحافظ عليه هو وعينا بضرورة إحيائها على أسس معرفية ومؤسسية تواكب تحولات العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي. إن حماية الخليج والأردن تبدأ من تأسيس ثقافة إعلامية سيادية تجعل من "الكلمة" سلاحاً للنهضة لا معولاً للهدم،وقد آن الأوان لوضع "ميثاق شرف إعلامي عربي" جديد؛ ميثاق يرفض التراشق البيني ويجرم التحريض الداخلي، ويعيد توجيه البوصلة نحو التهديدات الوجودية التي تستهدف استقرارنا الجمعي، فحين يستعيد الإعلام مسؤوليته الأخلاقية، يمكن للوعي العربي أن ينهض من بين الركام، لا ليبكي الأطلال، بل ليكتب فجراً جديداً يليق بتاريخ الأمة ومستقبل أجيالها.

مدار الساعة ـ