أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أبو زيد يكتب: منيف الرزاز.. بين المدن الأربع وإرث العائلة التي صنعت الوعي


زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار

أبو زيد يكتب: منيف الرزاز.. بين المدن الأربع وإرث العائلة التي صنعت الوعي

زيد أبو زيد
زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار
مدار الساعة ـ

حين يُذكر منيف الرزاز، فإننا لا نقف أمام سيرة رجلٍ فحسب، بل أمام مشروعٍ فكريٍّ تنقّل في الجغرافيا كما تنقّل في الأسئلة الكبرى للأمة. هو ابنُ مرحلةٍ عربيةٍ قلقة، حمل همّها، وكتبها، وعاشها بكل ما فيها من أملٍ وانكسار.

تنقّل منيف الرزاز بين دمشق وعمّان والقدس وبغداد، ولم يكن هذا التنقّل جغرافياً فقط، بل كان انتقالاً بين مدارس فكرية وتجارب سياسية صنعت منه مفكراً مركّباً، يرى القومية العربية بوصفها مشروعاً إنسانياً لا أيديولوجيا مغلقة، بل كائناً حيّاً يتنفس بالنقد، ويترنّح كلما صودر أو جُمّد.

ومن دمشق حيث تفتّحت البدايات كندى الفجر على أسئلة النهضة، إلى بغداد حيث أرخى المساء سدوله على رحلةٍ أثقلها الفكر وأنهكها الصدق، مرّت حياة منيف الرزاز عبر القدس وعمّان كخيطٍ من نورٍ تُحاك به سيرةٌ لا تُروى، بل تُعاش. كانت رحلته كالشمس في تموز، لا تعرف الفتور، تخطّ على وجه الزمن معاني التميّز والإبداع، وتسكب في دروبها وفاءً لا ينضب، وتمضي بين النقد والتحليل والتركيب كعقلٍ لا يهدأ، وبين النضال والمعاناة والعذاب كقلبٍ لا يستكين. هناك، في المسافة بين مدينةٍ وأخرى، لم يكن يسافر جسداً بقدر ما كان يُهاجر فكرةً، يُعيد صياغتها، ويختبرها، ويُسلّمها للحياة كما تُسلَّم الأمانة لمن يعرف قدرها. وحين أثقلته الرحلة بما فيها، لم يُورّث تعبها، بل أوصى بسرّها كلّه إلى لمعة بسيسو؛ إلى تلك التي لم تكن زوجةً فحسب، بل كانت الذاكرة حين تضيع، واللغة حين تصمت، والرفيقة حين يطول الطريق. فبكته طويلاً… بكته كما يُبكى الذين لا يغيبون، بكته نثراً يفيض كالحياة، وشعراً يعلو كالصلاة، وكأن حزنها عليه كان امتداداً آخر لذلك الضوء الذي لم ينطفئ، بل تغيّر موضعه فقط.

في مسيرته الفكرية، قدّم عدداً من المؤلفات التي تناولت قضايا الحرية، والديمقراطية، وأزمة العمل القومي، ومن أبرزها كتاباته حول التجربة الحزبية القومية، وتحليلاته العميقة لأزمة الفكر العربي المعاصر، حيث سعى إلى أن يكون الفكر مرآةً لا قناعاً، وأن يكون السؤال أسبق من الإجابة، وأن تبقى الحقيقة مشروع بحث لا يقيناً مغلقاً.

غير أن سيرة منيف لا تكتمل دون التوقف عند بيته، حيث تحوّل الفكر إلى تربية، والنضال إلى ثقافة يومية. فقد كانت زوجته، لمعة بسيسو، شريكة المشروع لا ظلّه، امرأةً صاغت الألم قصيدة، وحوّلت المسؤولية رسالة، فأنجبت وعياً قبل أن تُنجب أبناء.

ومن هذا البيت خرجت أسماء لم تكن عادية:

• مؤنس الرزاز، الذي كتب الرواية كما لو أنه يُفتّش عن وطنٍ في اللغة، ومن أبرز أعماله “متاهات الأعراب في ناطحات السحاب”، حيث جعل النص مرآةً لاغتراب الإنسان العربي، وسؤالاً مفتوحاً على هويةٍ تتشظى بين حداثةٍ مستعارة وأصالةٍ مرتبكة، وكأن النص لديه محاولة دائمة لترميم المعنى في عالمٍ يتشقق.

• عمر الرزاز، الذي عبر من ضفة الفكر إلى ضفة الدولة، فكان في وزارة التربية والتعليم إصلاحياً يرى في التعليم مشروع نهضة لا مجرد إدارة، ثم في رئاسة الوزراء عقل دولةٍ هادئ، يُدير العاصفة دون أن يفقد البوصلة، مستنداً إلى إرثٍ عائليٍّ كثيف، جمع بين فكر الأب، وصلابة الأم، وقلق الأخ المبدع.

وهنا، لا تبدو العائلة إطاراً اجتماعياً فحسب، بل نصاً مفتوحاً، تتعاقب فصوله بين الفكر والأدب والسياسة، وكأنها قصيدةٌ كتبتها الحياة بمداد التجربة، لا بالحبر وحده.

إن سيرة منيف الرزاز ليست مجرد حكاية نضال، بل هي حكاية جرأةٍ في مواجهة الذات قبل الآخر. فقد كان من أوائل الذين قدّموا مراجعة نقدية شجاعة للفكر الذي ناضل من أجله، وفي القلب منه تجربة البعث، فلم يتردد في أن يجعل من الفكرة موضوعاً للمساءلة، لا صنماً للتقديس. كان يرى أن الفكر الذي لا يُنقد يشيخ، وأن الحركة التي لا تُراجع ذاتها تتحول إلى ظلٍّ باهت لما كانت عليه.

وربما دفع ثمناً باهظاً لهذه الجرأة، وربما كانت حياته نفسها جزءاً من كلفة هذا الموقف، لكنه كان يمضي كما يمضي الذين يرون المعنى أبعد من أعمارهم، فلا يلتفتون كثيراً إلى ذواتهم بقدر ما ينحازون لما يتركونه خلفهم من أثر. كان كمن يُشعل قنديلاً في عاصفة، مدركاً أن الضوء—حتى إن انطفأ—قد علّم العتمة معنى النور.

إنها سيرة رجلٍ لم يعش ليُخلّد نفسه، بل ليُحرّض الزمن على أن يكون أكثر صدقاً.

نقرأ منيف الرزاز مناضلاً ومفكراً قومياً عربياً إنسانياً، ونستحضر لمعة بسيسو أماً ومناضلة صنعت الوعي، ونقف أمام مؤنس الرزاز وعمر الرزاز كامتدادٍ لعبقريةٍ فكريةٍ وسياسيةٍ وأدبية—فنوقن أن أعظم ما يتركه الإنسان ليس ما يكتبه فقط، بل من يُكمل الكتابة بعده.

مدار الساعة ـ