أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أبو لبن يكتب: حين يصبح الخروج سجنًا


الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق

أبو لبن يكتب: حين يصبح الخروج سجنًا

الدكتور زياد أبو لبن
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
مدار الساعة ـ

يُعدّ مسلسل "الخروج إلى البئر" واحدًا من الأعمال الدرامية التي تنتمي إلى فضاءٍ شديد الكثافة، حيث لا تُروى الحكاية بوصفها سردًا للأحداث فحسب، بل بوصفها تفكيكًا عميقًا لبنية الإنسان حين يُوضع داخل أقصى حالات الاختبار. فالمسلسل لا يكتفي بتقديم تجربة السجن أو القمع كوقائع زمنية، بل يحوّلها إلى حالة وجودية تُعيد صياغة الأسئلة الأساسية حول الهوية والذاكرة والمعنى، بحيث يصبح "الخروج" في حد ذاته مفهوماً إشكالياً لا يحمل خلاصًا جاهزًا، بل يفتح بابًا جديدًا للارتباك الداخلي.

منذ اللحظة الأولى، يفرض العمل على المتلقي فضاءً مغلقًا يهيمن عليه منطق الاختناق، حيث يتحول المكان إلى عنصر فاعل في تشكيل المصائر لا مجرد خلفية للأحداث. فالسجن، بوصفه مركز الثقل الدرامي، لا يُقدَّم كحيّز مادي فقط، بل كبنية رمزية تعكس منظومة كاملة من القهر، تمتد خارج الجدران لتطال الزمن والذاكرة والعلاقات الإنسانية. هذا التوظيف للمكان يخلق إحساسًا بأن العالم بأكمله قد انكمش داخل جغرافيا واحدة، وأن الشخصيات لم تعد تتحرك في فضاء حر، بل في متاهة تُعيد إنتاج نفسها باستمرار.

وفي قلب هذا العالم تتشكل شخصية "سلطان الغالب"، التي يؤديها جمال سليمان، بوصفها شخصية مركبة تتجاوز الثنائية التقليدية بين الضحية والجلاد. فهي ليست نموذجًا بطوليًا صافياً، ولا هي شخصية منغمسة في الشر بشكل مباشر، بل كائن يعيش في منطقة رمادية تتداخل فيها الضرورة مع الاختيار، والخوف مع البقاء، والماضي مع الحاضر. هذه التركيبة تجعل الشخصية أقرب إلى نموذج الإنسان المأزوم الذي يُجبر على التفاوض الدائم مع ذاته، في ظل نظام لا يمنح رفاهية القرار الأخلاقي النقي.

وتكمن قوة المسلسل أيضًا في بنيته السردية التي تعتمد على التشظي الزمني وتداخل الذاكرة مع الحدث الجاري، بحيث لا يبقى الزمن خطًا مستقيمًا يمكن تتبعه بسهولة، بل يتحول إلى شبكة من الاسترجاعات والانكسارات التي تعكس الحالة النفسية للشخصيات. فالماضي لا ينتهي في هذا العمل، بل يظل حاضرًا بثقلٍ دائم، يفرض نفسه على اللحظة الآنية، ويعيد تشكيلها وفق منطق الذاكرة المأزومة التي لا تملك القدرة على الإغلاق أو النسيان.

على المستوى الفكري، يطرح المسلسل رؤية قاسية حول الإنسان في مواجهة السلطة، لكنه لا يختزل السلطة في أشخاص أو مواقف مباشرة، بل يتعامل معها كبنية متكاملة من العلاقات والآليات التي تعيد إنتاج نفسها بشكل مستمر. وبهذا المعنى، يصبح الصراع أعمق من كونه مواجهة بين طرفين، ليتحول إلى صراع بين الفرد ومنظومة تاريخية واجتماعية وسياسية معقدة، تجعل من النجاة الجسدية أمرًا لا يضمن بالضرورة التحرر النفسي أو الأخلاقي.
كما يولي العمل اهتمامًا بالغًا بالبعد النفسي، حيث لا يُقدَّم الألم بوصفه حدثًا عابرًا، بل كعملية طويلة لإعادة تشكيل الذات. فالشخصيات التي تعيش التجربة القاسية لا تخرج منها كما دخلت، بل تتغير على مستوى الإدراك والوعي والعلاقة مع العالم. وهنا يبرز أحد أهم أسئلة المسلسل: هل يمكن للإنسان أن يعود كما كان بعد تجربة كهذه، أم أن الخروج من المكان لا يعني سوى الدخول إلى سجن داخلي أكثر تعقيدًا؟

ويأتي الأداء التمثيلي ليعزز هذه الرؤية، إذ يعتمد على التعبير الداخلي المكبوت أكثر من الانفعال الخارجي، بحيث تُنقل المشاعر عبر النظرات والسكون وتفاصيل الجسد الصغيرة، لا عبر الانفجار العاطفي المباشر. هذا الاختيار ينسجم مع طبيعة النص، ويجعل الألم أكثر كثافة لأنه غير معلن بالكامل، بل متراكم في الداخل، يتسرّب ببطء إلى وعي المشاهد.

أما على مستوى الصورة والإخراج، فيعتمد المسلسل على لغة بصرية تميل إلى القتامة المدروسة، حيث تُستخدم الإضاءة والفراغات الضيقة لإنتاج شعور دائم بالحصار. وتُوظَّف الكاميرا القريبة بشكل متكرر لتأكيد التوتر النفسي، في مقابل لقطات أوسع تُظهر العزلة والاغتراب، وكأن الشخصيات محاصرة داخل نفسها بقدر ما هي محاصرة داخل المكان.

ورغم القوة الواضحة في البناء العام، إلا أن العمل لا يخلو من بعض الملاحظات، مثل الميل أحيانًا إلى المباشرة في طرح بعض الأفكار
السياسية، أو ازدحام الخطوط السردية بما قد يبطئ الإيقاع في بعض الحلقات، إضافة إلى تفاوت الاهتمام بالشخصيات الثانوية مقارنة بالثقل الكبير للشخصية المركزية. غير أن هذه الملاحظات لا تنتقص من القيمة الكلية للعمل، بقدر ما تظل ضمن هامش الأعمال الطموحة التي تحاول الإمساك بموضوع بالغ التعقيد.

في المحصلة، يمكن النظر إلى "الخروج إلى البئر" كعمل درامي يتجاوز حدوده التلفزيونية ليقترب من التأمل الفلسفي في معنى الإنسان تحت الضغط، وفي حدود الحرية الممكنة داخل عالم مضغوط بالقوة والذاكرة والخوف. إنه عمل لا يمنح إجابات جاهزة، بل يترك المشاهد أمام سؤال مفتوح ومؤلم في آن واحد: هل الخروج من البئر هو بداية النجاة، أم مجرد انتقال إلى عمق آخر أكثر خفاءً داخل النفس والذاكرة والتاريخ؟

مدار الساعة ـ