أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أحزاب أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الرجوب يكتب: خرائط النفط والنفوذ: كيف خسر نتنياهو رهان الطاقة والهيمنة؟


احمد عبدالباسط الرجوب
باحث ومخطط استراتيجي

الرجوب يكتب: خرائط النفط والنفوذ: كيف خسر نتنياهو رهان الطاقة والهيمنة؟

احمد عبدالباسط الرجوب
احمد عبدالباسط الرجوب
باحث ومخطط استراتيجي
مدار الساعة ـ

في خضم التصعيد العسكري والسياسي الذي شهدته المنطقة مؤخرًا، يمكن القول إن هذه الحرب العبثية أفضت إلى نتيجة لافتة ومفارقة: لم تُنتج الحرب منتصرًا واضحًا، لا للولايات المتحدة ولا لإيران، لكنها أفرزت خاسرًا واحدًا محددًا بالاسم: بنيامين نتنياهو. ليس الخاسر هو الكيان الاحتلالي كدولة فقط، بل الرجل نفسه. وهذا التوصيف تحديدًا هو ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول الأسباب والخلفيات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية.

منذ تسعينيات القرن الماضي، كان نتنياهو من أكثر القادة السياسيين الذين روّجوا لفكرة "الخطر الإيراني". فقد أمضى عقودًا وهو يحذر الولايات المتحدة والعالم من البرنامج النووي الإيراني ومن نفوذ طهران المتزايد في المنطقة، محاولًا إقناع الإدارات الأمريكية المتعاقبة بضرورة توجيه ضربة حاسمة لإيران. لكن معظم الرؤساء الأمريكيين لم يستجيبوا لهذا التوجه. الاستثناء الوحيد كان دونالد ترامب، الذي اقتنع – مؤقتًا – بأن ضربة قوية قد تؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني بسهولة عبر استهداف مركز القوة فيه.

لكن من الناحية الاستراتيجية، كانت الحسابات خاطئة. فالنظام في إيران لم يسقط. والبرنامج الصاروخي الباليستي لم يُقضَ عليه؛ بل استمرت الصواريخ حتى الأيام الأخيرة في استهداف تل أبيب وحيفا ومناطق مختلفة داخل الأراضي المحتلة. أما الملف النووي الإيراني، الذي كان أبرز مبررات التصعيد، فلم يُحسم أيضًا. ولم تنجح الجهود في تحجيم حلفاء إيران في المنطقة: فـ حزب الله واصل القتال، بينما برز الحوثيون كطرف فاعل دخل على خط المواجهة، مما عزز الانطباع بأن شبكة التحالفات الإقليمية المرتبطة بطهران ما تزال قادرة على التأثير في مسار الصراع.

من الناحية السياسية، لجأ نتنياهو إلى تصعيد العمليات العسكرية في لبنان، حيث ارتُكبت مجازر واسعة النطاق تحت عنوان الحرب. كثيرون اعتبروا ذلك محاولة يائسة للتغطية على الفشل في تحقيق الأهداف الاستراتيجية الكبرى. التطورات الأخيرة، بما في ذلك الاتفاق الذي جرى في لبنان، أظهرت بوضوح حدود القدرة على فرض واقع جديد في المنطقة. وفي الوقت نفسه، بدت إيران أكثر ارتياحًا وثقة، خصوصًا مع التطورات المرتبطة بـ مضيق هرمز، الذي يظل أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة في العالم. بل ذهبت طهران إلى حد السخرية من حلف شمال الأطلسي، في إشارة إلى ما تعتبره تراجعًا في فعالية التحالفات الغربية لفرض معادلات القوة التقليدية.

أما من الناحية الاقتصادية، فلم تكن حسابات نتنياهو سياسية فقط. فإضعاف إيران أو إسقاط نظامها كان سيعني – وفق الرؤية الصهيونية – إعادة تشكيل خريطة الطاقة والنفوذ في المنطقة، بما في ذلك السيطرة على موارد النفط الإيراني، على غرار ما حدث مع النفط الفنزويلي. وكان من شأن ذلك أيضًا ممارسة ضغط اقتصادي على الصين، التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة. لكن النتيجة جاءت معاكسة: إيران لم تسقط، وسيطرتها على ممرات الطاقة لم تتراجع، فيما تكبد اقتصاد الكيان الاحتلالي خسائر فادحة من جراء حرب طويلة متعددة الجبهات.

وجاءت التطورات الأخيرة لتعزز هذا المشهد. فمع إعلان فتح مضيق هرمز يوم الجمعة، بدا أن مسار التصعيد مع إيران قد وصل إلى حدوده السياسية، وأن الأولويات الدولية تميل إلى منع انفجار إقليمي شامل أكثر من السعي إلى إسقاط النظام الإيراني. وقبل ذلك بيوم واحد، توقفت الحرب في لبنان، في خطوة عكست ضغوطًا دولية واضحة لوقف العمليات العسكرية. هذه التطورات تعطي انطباعًا بأن الرؤية التي حاول بنيامين نتنياهو دفعها لسنوات نحو مواجهة كبرى مع إيران لم تعد تحظى بالدعم نفسه حتى من أقرب الحلفاء، وعلى رأسهم دونالد ترامب، الذي بدا أكثر ميلاً لاحتواء التصعيد بدل الانخراط في حرب مفتوحة.

الخاتمة: عبث نتنياهو وجر المنطقة إلى عدم الاستقرار

لم يكن نتنياهو مجرد قائد خاض حربًا وخسرها، بل كان مهندسًا لعبث استراتيجي غير مسبوق. جرَّ شعبه ومنطقته إلى مستنقع لا قرار له، تحت وهم "القضاء على إيران". أحرق أمن الكيان الاحتلالي على مذبح بقائه السياسي، وحوّل تل أبيب إلى هدف مكشوف للصواريخ، ودمّر قطاع غزة، وأحرق جنوب لبنان، ثم وقف حائرًا يسأل: أين الخطأ؟

الخطأ، يا من أراد أن يكون "سيد الشرق الأوسط" المزعوم، أنك راهنت على إسقاط نظام بالوكالة، فإذا بك تسقط أنت أولاً. أنت الذي ظننت أن المجازر تصنع الانتصارات، خرجت من الحرب بلا نصر، ودخلت التاريخ كأخطر مجازف دفع المنطقة من وهم الهيمنة إلى حافة الهاوية. فمن يضرب بجنون في كل اتجاه، لا بد أن يسقط في الفراغ… وهذا ما حدث.

مدار الساعة ـ