أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حرب يكتب: فتح مضيق هرمز: حين تتحرك الجغرافيا.. تتغير السياسة


المهندس قصي محمد حرب

حرب يكتب: فتح مضيق هرمز: حين تتحرك الجغرافيا.. تتغير السياسة

مدار الساعة ـ

في السياسة الدولية، ليست كل القرارات مجرد إجراءات تقنية، بل كثيرًا ما تكون رسائل مكتوبة بلغة المصالح والقوة ، من هذا المنظور، فإن قرار فتح مضيق هرمز بالكامل لا يمكن قراءته كخبر ملاحي عابر، بل كحدث سياسي استراتيجي يعكس تحولات أعمق في ميزان التوازنات الإقليمية والدولية.

هذا المضيق الصغير في حجمه الجغرافي، الكبير في تأثيره الاستراتيجي، ظل لعقود أحد أكثر النقاط حساسية في العالم ، فجزء كبير من طاقة العالم يمر عبر هذا الممر الضيق، ما جعله ورقة ضغط جيوسياسية في لحظات التوتر، ومؤشرًا دقيقًا على مستوى التصعيد أو التهدئة في المنطقة.

من هنا، فإن فتحه في هذا التوقيت لا يمكن فصله عن سياق أوسع من إعادة ضبط الإيقاع السياسي والعسكري في الشرق الأوسط ، فالممرات الاستراتيجية لا تُغلق ولا تُفتح عادةً بقرارات معزولة، بل تكون انعكاسًا لمعادلات ردع ورسائل متبادلة وصلت إلى نقطة معينة من التوازن.

التاريخ يعلمنا أن الجغرافيا كثيرًا ما كانت اللاعب الأكثر ثباتًا في السياسة الدولية ، فالدول قد تتغير، والتحالفات قد تتبدل، لكن الممرات الحيوية تبقى نقاط ارتكاز دائمة في حسابات القوة ، ولهذا السبب، فإن أي تغيير في وضعها يحمل في العادة دلالات تتجاوز الحدث نفسه.

فتح مضيق هرمز اليوم قد يُقرأ كإشارة إلى إدراك متبادل لدى القوى الفاعلة بأن استمرار التوتر عند هذه النقطة الحساسة يحمل مخاطر تتجاوز حدود المنطقة ، فالاقتصاد العالمي بات شديد الترابط، وأي اضطراب طويل في تدفق الطاقة عبر هذا الممر كفيل بإحداث موجات ارتدادية تمتد إلى الأسواق والاقتصادات في مختلف القارات.

لكن في المقابل، من الخطأ الاعتقاد بأن فتح المضيق يعني نهاية الصراع أو انطفاء التنافس الجيوسياسي في المنطقة، ففي كثير من الأحيان، تميل القوى الكبرى إلى تخفيف الاحتكاك المباشر في النقاط الأكثر حساسية، مع استمرار التنافس في مساحات أخرى أقل صخبًا وأكثر تعقيدًا.

بهذا المعنى، فإن ما نشهده اليوم قد يكون جزءًا من عملية أوسع لإدارة الصراع، لا لإنهائه ، فالقوى المتنافسة تدرك أن بعض الخطوط الجغرافية لا تحتمل المغامرة الطويلة، وأن إبقاءها مفتوحة قد يكون شرطًا ضروريًا لاستمرار التوازن، حتى في ظل التوتر.

لقد كانت الممرات البحرية عبر التاريخ مفاتيح لتغيير مسار الأحداث ، وعندما يتعلق الأمر بممر بحجم وأهمية مضيق هرمز، فإن كل قرار يتصل به يصبح، بطريقة أو بأخرى، جزءًا من معادلة القوة في العالم.

لذلك، فإن الحدث الحقيقي ليس فقط في فتح المضيق، بل في التحولات التي سبقت هذا القرار وأوصلت إليه ، فحين تُفتح الممرات الاستراتيجية، يكون ذلك غالبًا علامة على أن الرسائل قد وصلت، وأن الأطراف المعنية بدأت تعيد ترتيب حساباتها بهدوء.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر ثباتًا في السياسة الدولية أن الجغرافيا لا تفقد تأثيرها، مهما تغيرت أدوات القوة ، فالممرات الضيقة التي تبدو صغيرة على الخرائط قد تكون في الواقع نقاطًا تتحكم بإيقاع العالم كله.

مدار الساعة ـ