كثيرة هي المخاطر التي تهدد لغتنا في أبعادها المختلفة: الوطنية، والقومية، والحضارية، والدينية. ويزيد من حدة هذه المخاطر وجديتها أننا لا نكتفي بالصمت حيالها، بل نغذيها بسلوكنا، ونبني الكثير منها دون أن نشعر بخطرها. من ذلك، مثلاً، صمتنا بل مشاركتنا في تعظيم تزايد مظاهر التهميش للغة العربية وتراجعها في حياتنا اليومية. وكثرة مظاهر نجاح مخطط الحرب على اللغة العربية مثل "إحلال العامية محل العربية كما أراد المستشرقون"، مما نراه في وسائل الإعلام، والخطب العامة، والاحتفالات العامة، وعلى واجهات المحلات. بل صرنا نتبادل التهاني بمناسباتنا باللغة الأجنبية من خلال رسائل الجوال. كما أن المار في شوارعنا يُصعق من كثرة أسماء المحلات المكتوبة بغير اللغة العربية، ومن كثرة اللوحات الإعلانية المكتوبة أيضًا بغير اللغة العربية. تزامن ذلك كله مع غياب اللغة العربية عن مطاعمنا، ومقاهينا، وفنادقنا. بل صار كل طالب وظيفة يسعى إلى أن تكون سيرته الذاتية، وكل أوراقه الرسمية مكتوبة باللغة الإنجليزية، وكأنها لغة البلاد الرسمية.
من المخاطر التي تهدد لغتنا بأبعادها المختلفة أيضًا، انتشار اللغة الجديدة الهجينة التي صار يتخاطب ويتراسل بها شبابنا، وتُعرف بـ (العربيزي)، لأن انتشار هذه اللغة يشكل خطرًا يهدد لغتنا الوطنية، وانتماءنا القومي، ومنظومتنا الاجتماعية والقيمية. حيث صار من الواضح للعيان فساد الذوق العام في بلادنا نتيجة لبعدنا عن اللغة العربية، دون أن ندرك أن اللغة هي أداة بناء الذوق العام الذي يحكم المجتمع، ويميزه عما سواه من المجتمعات والأمم. وهي بذلك تكوّن وجدان الأمة، وعقلها، وروحها. والأمة التي تتخلى عن لغتها أو تُهينها، تتخلى عن وجدانها، وعقلها، وروحها، وتفقد خصوصيتها وذوقها العام.ومن المخاطر الداهمة على لغتنا ما نشهده من توسع في إقامة المدارس الأجنبية، وزحف اللغات الأجنبية إلى مناهجنا الدراسية، مع تقليص حصص اللغة العربية في مدارسنا وجامعاتنا. حتى صارت الكثير من المدارس والجامعات تمنع مجرد التحدث باللغة العربية، دون أن تدرك أن هذا السلوك، فوق أنه يشكل سببًا رئيسيًا في فساد نظمنا التعليمي الذي صار محل شكوى الجميع، فإنه لا نهضة لأمة إلا إذا وطنت العلوم والمعارف بلغتها الأم، وهذا ما لا نفعله كعرب. صار وجودنا كأمة في خطر، لأن الأمة واللغة متلازمتان. ولا تزول الأمة إلا بزوال لغتها، ولأن اللغة هي التي تميز أمة عن أخرى، ومجتمعًا عن آخر. فهل انخرطنا جميعًا في معركة استعادة اللغة العربية لمكانتها، لنستعيد نحن مكانتنا بين الأمم؟