لن أكرر، ولن أعيد ما قلته سابقا، وما طرحه الكثير ممن كتبوا عن مشروع قانون الضمان الاجتماعي، والمناقشات التي جرت حوله باعتباره من أهم القوانين ارتباطا بحياة كل الأردنيين حاضرا ومستقبلا.
ولن أضيف جديدا إذا أشرت إلى الجهد الكبير الذي بذلته لجنة العمل النيابية في استخلاص وجهات نظر مئات المختصين واستنباط مقترحات جديدة تشكل إضافة نوعية لمخرجات النقاش ولتقريرها الختامي الذي يفترض أن يعرض على المجلس في آخر مراحل الإقرار على مستوى الغرفة الأولى من مجلس الأمة، وقبل أن يحال إلى الغرفة الثانية لنفس الغرض. فقد اعتمدت اللجنة أسلوب الحوار الوطني والبحث عن آراء جديدة "معارضة ومؤيدة" وصولا إلى أفكار من شأنها تجويد المشروع وتطعيمه بحلول لمشكلات لم تكن واردة في المشروع الأصلي وغير مدرجة على جدول الإصلاح مدار البحث. في المقابل، ومن الإنصاف، لم يكن الجهد الحكومي غائبا عن ذلك المشروع الكبير متابعة وشرحا ودعما لكل ما من شأنه تجويد المخرجات ورفدها بحلول يؤمل أن تسهم في إدامة « الضمان الاجتماعي» ليكون قادرا على خدمة الأجيال القادمة بكل كفاءة.ومن ذلك، التوافق على تأجيل مناقشة التعديلات تحت القبة إلى حين دراسة أثرها المالي على المؤسسة، ومدى توافقها أو تقاطعها مع مخرجات الدراسة الاكتوارية التي أجريت قبل عدة أشهر والتي كانت السبب في وضع مشروع القانون الجديد بكل ما فيه من أحكام وصفها مختصون بأنها مؤلمة، لكنها في الوقت نفسه ضرورية لإدامة الضمان الاجتماعي خدمة للأجيال.فالتعديلات أضافت أحكاما جديدة، بعضها كان قد ألغي في تعديلات أجريت سابقا ومنها التراجع عن وضع سقف لاقتطاعات الضمان من أصحاب الرواتب المرتفعة، كتعديل يرفع من إيرادات المؤسسة. ومنها ما هو جديد كزيادة معامل المنفعة للفئات ذات الدخل المنخفض من أصحاب الرواتب التي تقل عن 400 دينار بهدف تحسين الرواتب التقاعدية لهذه الشريحة وبالتالي زيادة في نفقاتها.وهي أحكام ذات أثر مالي لا يمكن التعامل معها بدون استشارات ودراسات تبين ذلك الأثر وانعكاساته على الواقع المالي للمؤسسة سلبا وإيجابا.هنا، ومع الإشادة بجهود الحكومة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، ولجنة العمل البرلمانية، والنواب ورئيس مجلسهم، وجهود الخبراء من القطاعين العام والخاص، على مدى الشهور الماضية، ساد اعتقاد بأن المعنيين بالنقاش قد تخطوا بعض المفاتيح التي كان لا بد من التعامل معها لكشف حقيقة ما جرى وما يجري في هذا القطاع المهم، والذي كان سببا في الفجوة ما بين آخر دراستين إكتواريتين أجريتا وفقا للقانون. فالدراسة العاشرة التي أجريت قبل الأخيرة يثلاث سنوات ـ تقريبا ـ أشارت إلى أن نقطة التعادل الأولى» بين إيرادات الاشتراكات ونفقات الرواتب» في العام 2039 . بينما الدراسة العاشرة التي أجريت في العام الماضي 2025 قدرت نقطة التعادل ذاتها في العام 2030، بمعنى أن مستجدات قد حدثت خلال السنوات الثلاث أو الأربع بين الدراستين وأدت إلى ذلك التراجع. ولو أن إدارة المؤسسة، ومعها مجلس الإدارة ومختلف الهيئات التابعة لها شخصت الواقع، وحاولت معرفة ما حدث، وعملت على معالجة الخلل ـ إن وجد ـ وسدت الثغرات إن كانت قائمة لكانت لخلصت إلى معالجات واقعية وليست نظرية فقط. ولو أنها أدرجت مخرجات ذلك التشخيص وترجمته إلى نصوص تشريعية ملزمة لجميع أطراف المعادلة، لضمنت عدم تكرار ما حدث. بالطبع، هناك من يحمل وباء كورونا المسؤولية، ويعتبره السبب في حدوث التداعيات التي أدت إلى تلك النتيجة. ولا أحد ينكر ذلك البعد، لكنه بحاجة إلى معلومات وأرقام، تشخص تلك الحالة بدلا من التعامل معها كفرضيات تغفل القرارات الحكومية التي توسعت في دعم القطاع الخاص على حساب الضمان وإيراداته. وبالتزامن حاول معنيون من الحكومة تجاهل ملف التقاعد المبكر لموظفي الدولة، حيث عمدت مؤسسات إلى إرسال قوائم بآلاف الموظفين للتخلص من رواتبهم رغبة بـ» ترشيق الجهاز الحكومي». وتحويل الآلاف إلى الضمان ضمن معادلات واتفاقيات خاصة الأمر الذي زاد في أعباء المؤسسة إلى مستوى ما كشفته الدراسة الأخيرة. من هنا، فالخشية تبقى قائمة من أن أي إجراءات ستبقى غير كافية لتصويب مسيرة الضمان وإعادته إلى ما كان عليه ما لم يتم الأخذ بتفاصيل ما حدث بين الدراستين الأخيرتين.مفاتيح مغيبة في مناقشات قانون الضمان
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ