على مر العصور، لم تكن العلاقة بين الدولة والمؤسسة العسكرية مجرد علاقة توظيف عابرة، بل كانت دائمًا "ميثاقًا اجتماعيًا وأخلاقيًا" غليظًا. فمنذ فجر التاريخ، أدركت الممالك والدول أن الجندي الذي يقف على الثغور، تاركاً خلفه بيتاً وأسرة، يحتاج إلى عقيدة طمأنينة تتجاوز حدود الراتب الشهري؛ يحتاج إلى يقين بأن الدولة هي "الأب البديل" لأسرته في غيابه، والراعي الدائم لهم في حضوره.
الجذور التاريخية: رعاية المقاتل في النظم القديمةلم تكن الامتيازات العسكرية يوماً منحة أو "كرماً" زائداً، بل كانت استحقاقاً تفرضه طبيعة المهنة. في الحضارة الرومانية، كان "المحاربون القدامى" (Veterans) يحصلون على قطع أراضٍ وإعفاءات ضريبية تضمن استقرار عائلاتهم من مختلف النواحي. وفي التاريخ الإسلامي أوقف عمر بن الخطاب توزيع الأراضي على رجال الدولة وكبار الصحابة ليبقى مورد الأراضي للجند، و في عصر الدولة الأيوبية والمملوكية، برز نظام "الإقطاع العسكري" كضمانة اجتماعية، حيث كانت تُخصص موارد لضمان عيش كريم لأسرة الجندي، إدراكاً من قادة تلك العصور أن المقاتل الذي يشغل باله مصير أطفاله لن يقاتل بكامل ثباته.فلسفة الجندية تنطلق من قناعة يرخص الدم من اجل الوطن الذي يحفظ كرامة الجندي واينائه وتعيش اسرته عيشة مستقرة إن طبيعة العمل العسكري تفرض انقطاعاً فيزيائياً وعاطفياً عن الأسرة. فبينما ينعم المدنيون بالاستقرار المنزلي، يقضي الجندي شهوراً في ميادين التدريب القاسية، أو في الخنادق، أو مرابطاً على الحدود في ظروف جوية وجغرافية لا ترحم.هذا الغياب الطويل يؤدي إلى:• خسارة الرعاية اليومية: فقدان الأبناء لتوجيه وحنان الأب المباشر.• تحمل الأم أعباءً مضاعفة: قيام الزوجة بدور الأب والأم معاً لفترات طويلة.• المخاطرة القصوى: احتمال أن يتحول هذا الغياب المؤقت إلى غياب أبدي في سبيل الوطن.الرعاية المجانية في مختلف المجالات لاسر العسكرهي تعويض عادل لا رفاهيةمن هنا، انبثقت التزامات الدول الحديثة بتأمين الرعاية الصحية الشاملة والتعليم المجاني لأبناء العسكريين. هذه الامتيازات هي في جوهرها "رد دين" وتوازن أخلاقي:1. الرعاية الصحية: هي الحد الأدنى لضمان أن جسد الجندي الذي يُستنزف في التدريب والحروب، وأجساد أفراد أسرته، محمية بضمانة الدولة التي يدافع عنها.2. التعليم المجاني: هو استثمار الدولة في أبناء من ضحى والدهم ليبقى الوطن قائماً. إن تأمين مقعد جامعي لابن العسكري هو رسالة للجندي في ميدانه: "نم قرير العين، فمستقبل أبنائك في أيدٍ أمينة".3. فرص العمل والتمكين: تمثل تعويضاً عن غياب "الشبكة الاجتماعية" والفرص التي قد يفقدها الجندي في السوق المدني بسبب انشغاله التام بحماية سيادة الدولة.إن محاولة البعض تصوير امتيازات العسكريين كأعباء على ميزانية الدول تعكس جهلاً بالتاريخ وبفلسفة بناء الأوطان. فالجندي الذي يضع روحه على كفه، ويقايض حنان أسرته بصلابة الميدان، لا يطلب صدقة، بل يمارس حقه في "الأمن المتبادل".الدولة التي تحترم جندها هي الدولة التي تدرك أن "أمن عائلة الجندي هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي"؛ فالمقاتل الذي يثق بأن أسرته مكفولة بالطبابة والتعليم والعمل، هو مقاتل لا ينكسر، لأن ظهره مسنود بمؤسسة وطنية تحفظ العهد كما يحفظ هو الحدود. ونحمد الله ان وهب بلدنا قيادة هاشمية رحيمة حكيمة تحرص كل الحرص على راحة واستقرار الجند واسرهم حفظ الله اردننا العزيز في ظل حضرة صاحب الجلالة الملك عبدالله بن الحسين المعظم دام عزه وملكهالدعجة يكتب: العسكر وعائلاتهم.. ميثاق الدم مقابل الرعاية.. قراءة في فلسفة 'الامتياز' عبر التاريخ
العقيد المتقاعد فلاح العرجان الدعجة
الدعجة يكتب: العسكر وعائلاتهم.. ميثاق الدم مقابل الرعاية.. قراءة في فلسفة 'الامتياز' عبر التاريخ
مدار الساعة ـ