أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الزعبي تكتب: من قاعة المحاضرة إلى التعليم الطبي الذكي.. كيف يُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل المستقبل؟


د. هبه وزير الزعبي

الزعبي تكتب: من قاعة المحاضرة إلى التعليم الطبي الذكي.. كيف يُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل المستقبل؟

مدار الساعة ـ

في السنوات الأخيرة، لم يَعُد الذكاءُ الاصطناعيُّ مفهومًا مستقبليًّا في الطب، بل أصبح واقعًا يوميًّا يؤثِّر في تعلُّم الطلبة وتدريب الأطباء. ومع تسارع التطورات التقنية، يبرز سؤالٌ جوهريٌّ: هل يُواكِب التعليمُ الطبيُّ هذا التحوُّل، أم لا يزال يعتمد على نماذج تقليدية لم تَعُد كافية؟

يستخدم طلابُ الطب أدواتَ الذكاء الاصطناعي في تلخيص المحتوى، وتوليد الأسئلة التدريبية، وفهم الحالات السريرية؛ غير أن هذا الاستخدام غالبًا فرديٌّ وغير منظَّم، ويفتقر إلى إطارٍ أكاديميٍّ واضحٍ يضمن توظيفًا صحيحًا ونقديًّا.

تشير الأدبيات الحديثة إلى إمكاناتٍ كبيرةٍ للذكاء الاصطناعي في تحسين التعليم الطبي؛ إذ تتيح أنظمة التعلُّم التكيّفي تخصيص المحتوى وفق مستوى الطالب واحتياجاته، بما يعزّز الفهم طويل المدى. كما توفّر المحاكاة والمرضى الافتراضيون بيئاتٍ آمنةً لممارسة المهارات السريرية واتخاذ القرارات دون تعريض المرضى للخطر. وفي مجال التقييم، يقدّم الذكاء الاصطناعي أدواتٍ تحلّل أداء الطلبة وتوفّر تغذية راجعة فورية.

ورغم هذه الإمكانات، فإن التسرّع في تبنّي الذكاء الاصطناعي دون إطارٍ منهجيٍّ واضح قد يحمل آثارًا عكسية على جودة التعليم الطبي؛ إذ قد يُضعف مهارات التفكير النقدي، ويحوّل عملية التعلُّم إلى استهلاكٍ للإجابات بدل بنائها، كما قد يُعمّق الفجوة بين الطلبة في المهارات الرقمية.

كما تُظهِر التجارب في بعض الجامعات أن الفائدة لا تتحقّق تلقائيًا، بل ترتبط بمدى وضوح الأهداف التعليمية، وجودة الإشراف الأكاديمي، وطبيعة دمج هذه الأدوات في المنهج. وفي غياب ذلك، قد يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أداة سطحية دون تحقيق أثر تعليمي حقيقي، مما يخلق فجوةً بين ما يتعلّمه الطالب داخل القاعة الدراسية وما سيواجهه في بيئة العمل.

من هنا، لا تقتصر الحاجة على إدخال الذكاء الاصطناعي إلى التعليم الطبي، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة تصميمه منهجيًّا، مع تحديد واضح لما يجب أن يتعلّمه الطالب من هذه التقنيات، وما يجب أن يبقى ضمن المهارات الطبية الأساسية غير القابلة للاستبدال.

كما يبرز دور البحث العلمي في هذا السياق، ليس فقط في تطوير الأدوات، بل في تقييم أثرها الحقيقي على مخرجات التعليم الطبي، وقياس تأثيرها على مهارات الطلبة وسلوكهم التعليمي، بما يضمن أن يكون التبنّي قائمًا على دليل علمي، لا على توجّهات عامة أو ضغوط مؤسسية.

ويمتد تأثير ذلك إلى سوق العمل؛ إذ إن إعداد أطباء قادرين على التعامل الواعي مع الذكاء الاصطناعي سيشكّل ميزة تنافسية حقيقية، في حين أن التخرّج دون فهم كافٍ لهذه الأدوات قد يضعف جاهزية الخريجين في بيئة طبية تتجه بسرعة نحو الرقمنة.

في الختام، لم يعد السؤال ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيؤثّر في التعليم الطبي، بل كيف يمكن للمؤسسات الأكاديمية أن تقود هذا التغيير. فإعداد أطباء المستقبل يتطلّب توازنًا بين تبنّي التقنية والحفاظ على جوهر التعليم الطبي.

مدار الساعة ـ