لا يحتاج المتابع إلى جهد كبير لاستعادة مشهد نهاية أيلول من العام الماضي، حين تفجّرت موجة غضب واسعة على خلفية مشروع قانون الملكية العقارية، وتحديدا ما ارتبط برسوم المسقفات، في ظل غياب شرح واضح ومباشر للرأي العام.
حينها، وجدت الحكومة نفسها أمام تصاعد سريع في حدة الرفض الشعبي، وانفلات النقاش نحو الإشاعات والتفسيرات المتضاربة، قبل أن تتخذ قرارا حاسما بسحب القانون من مجلس النواب، في خطوة هدفت إلى احتواء الأزمة أكثر مما كانت تعبيرا عن مراجعة تشريعية عميقة.اليوم، يتكرر المشهد بصيغة مختلفة مع مشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي، حيث لم يصل الأمر إلى السحب، لكنه توقف عند تأجيل النقاش إلى دورة لاحقة، تحت ضغط نيابي وشعبي واضح، هذا السلوك، وإن بدا تكتيكيا من حيث الشكل، إلا أنه يعكس إشكالية أعمق تتعلق بكيفية إدارة الحكومة لملفات تشريعية حساسة تمس شرائح واسعة من المواطنين.الخطأ الأول، الذي يكاد يكون مشتركا بين التجربتين، يتمثل في غياب الإعداد المسبق الحقيقي، ففي قانون الملكية العقارية، لم تكن هناك حملة إعلامية استباقية تشرح جوهر التعديلات، ولا جهة واضحة تتبنى الدفاع عنه، ما فتح الباب أمام تأويلات متضاربة.وفي قانون الضمان، تكرر المشهد بصورة أكثر تعقيدا، حيث تم إطلاق حوار عبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي، لكن مخرجاته لم تُمنح الوقت الكافي للدراسة أو البناء عليها، إذ صدرت نتائج الحوار، وبعد ساعات قليلة فقط تم إقرار التوجهات، وكأن الحوار كان إجراء شكليا لا أكثر.الخطأ الثاني يتعلق بجوهر التعديلات المطروحة، ففي حالة الضمان الاجتماعي، طالت النقاشات ما يُنظر إليه على أنه حقوق مكتسبة، خصوصا ما يتعلق بسن التقاعد المبكر وسن الشيخوخة، وهنا لم تعد المسألة تقنية أو مالية فقط، إنما تحولت إلى مسألة ثقة، إذ إن المواطن الذي بنى خططه الحياتية على قواعد مستقرة، يجد نفسه أمام تغييرات مباشرة تمس تلك الخطط، من دون أن يتم إقناعه بضروراتها أو تقديم بدائل واضحة، وهذا ما يفسر أن غالبية الجدل انحصر في هذه النقطة تحديدا، بدل أن يتجه نحو جوهر إصلاح النظام التأميني.الخطأ الثالث يكمن في إدارة الحوار ذاته، إذ إن النقاش حول قانون الضمان لم يذهب إلى عمق المشكلة، لكن بقي يدور حول عناوين أهمها التقاعد، في حين تم تجاهل قضايا جوهرية، مثل توسيع قاعدة الشمول التأميني، ومكافحة التهرب، وتعزيز تحصيل الديون، وهذه هي الركائز التي يمكن أن تضمن استدامة المؤسسة على المدى الطويل، لكنها لم تحظَ بالنقاش الكافي، ما جعل الحوار يبدو وكأنه يدور في حلقة مفرغة.أما في الجانب الاستثماري، فقد انحرف النقاش نحو شعارات مبسطة من قبيل "الحكومة تأخذ أموال الضمان"، من دون الدخول في تعقيدات إدارة المحافظ الاستثمارية، أو الحاجة إلى كفاءات عالية لإدارة استثمارات خارجية تحقق عوائد مجدية، وهذا التبسيط المخل حرم النقاش من طابعه المهني، ودفعه نحو الشعبوية، وهو ما انعكس أيضا على مداخلات عدد من النواب الذين انشغلوا بتسجيل مواقف إعلامية أكثر من تقديم مقترحات إصلاحية حقيقية.في المحصلة، ما حدث في قانون الملكية العقارية، وما يحدث اليوم في قانون الضمان الاجتماعي، ليسا حالتين منفصلتين، بل مؤشر على نمط متكرر في إدارة الملفات التشريعية، إذ إن الحكومة لا تخطئ فقط في محتوى بعض التعديلات، لكن في طريقة تقديمها، وتوقيت طرحها، وآليات الحوار حولها، وهذا ما يجعل أي مشروع قانون عرضة لأن يتحول من فرصة إصلاح إلى أزمة ثقة.الأخطر من ذلك أن استمرار هذا النهج سيجعل أي محاولة مستقبلية للإصلاح، حتى وإن كانت ضرورية، تواجه برفض مسبق، لأن المشكلة لم تعد في النصوص فقط، لكن في غياب الثقة بآلية إنتاجها، لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام الحكومة ليس في إعادة طرح هذه القوانين، لكن في إعادة بناء منهجية واضحة تقوم على الشفافية، والإعداد المسبق، وحوار متخصص قائم على الأرقام والحقائق، لا على الانطباعات والتخوفات وحوار "الطرشان" الذي ساد في المشهد السابق.من دون ذلك، سنبقى أمام معادلة مكررة: قوانين تُطرح، ثم تُسحب أو تُؤجل، بينما تبقى المشكلات الحقيقية من دون معالجةما بين 'الملكية العقارية' و'الضمان'.. أين أخطات الحكومة؟
مدار الساعة (الغد) ـ