ليس يوم العلم الأردني مجرد احتفال سنوي بألوان راية الثورة العربية الكبرى، بل هو مراجعة استراتيجية لمسيرة دولة استطاعت، في خضم إقليم يُعاد تشكيله بالنار والحديد، أن تحول دلالات رايتها إلى هندسة سياسية نافذة على العالم. فحين نقرأ تاريخ العلم الأردني، نقرأ في الواقع عقوداً من التحول من الرمز إلى الرسالة، ومن الشعار إلى الفعل الدبلوماسي.
عندما تلتقي الدلالات التاريخية بالسياسة المعاصرةفالعلم الأردني، المعتمد عام 1928 والمستمد من راية الثورة العربية الكبرى، ليس مجرد قطعة قماش ترفرف فوق المؤسسات. ألوانه الأربعة – الأسود والأبيض والأخضر والأحمر – تحيل إلى حقبات إسلامية كبرى: عباسية، أموية، فاطمية، وهاشمية. والنجمة السباعية تحيل إلى "السبع المثاني" والتوحيد. هذا الموروث العميق كان على جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين أن يترجمه إلى سياسة، في زمن تحولت فيه الرموز إلى أداة صراع.وهنا يكمن جوهر المشهد: جلالة الملك لم يحتفظ بهذه الرموز كزينة تاريخية، بل جعلها عنواناً لاستراتيجية وطنية في عالم تشتعل فيه الحروب من غزة إلى أوكرانيا، وتتساقط فيه الأنظمة كأوراق الخريف.الأحمر راية التضحية: القدس والثوابتحين يخرج جلالة الملك في أي محفل دولي، سواء في قمة عربية أو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإن اللون الأحمر في علمنا يحضر بقوة فهذا اللون، الذي يرمز إلى التضحية والثورة العربية والهاشميين، تجسد في ثبات الأردن على قضاياه: الوصاية الهاشمية على المقدسات: لم تكن هذه الوصاية مجرد منصب شرفي، بل سياسة دولة أعادت تعريف الحضور الأردني في القدس. فبينما تتهاوى الرهانات، بقي العلم الأردني مرفوعاً في القدس، حامياً هوية المدينة ومقدساتها.إغاثة غزة: لم تكن الطائرات الأردنية التي حطت في غزة مجرد شحنة مساعدات، بل كانت راية حمراء تقول للعالم: "هذا هو الأردن، عنوان التضحية مهما كلف الثمن".الأسود راية العقاب: الردع في زمن الفوضىربما يكون اللون الأسود الأكثر إثارة للجدل، فهو راية الدولة العباسية وراية العقاب التي كانت راية الرسول صلىالله عليه وسلم هذا اللون، في عهد جلالة الملك، تحول إلى قوة ردع وسياسة حكيمة:في إقليم تعصف به الحروب (العراق، سوريا، اليمن، ليبيا، السودان، وغزة)، كان الأردن الجزيرة الآمنة. لأن جلالة الملك أدار معادلة معقدة: توازنات دقيقة بين القوى الكبرى والإقليمية، مع قوات مسلحة حافظت على جاهزيتها القتالية، ودبلوماسية لم تغب عن أي ملف ساخن.العقاب هنا لم يكن مجرد طائر في التاريخ، بل رمز للقوة التي تحمي الراية من أن تدنس.الأبيض والأخضر البناء والرسالة في آناللون الأبيض (الأموي: الظفر والمجد) تجلى في التحديث والبناء ففي عهد جلالته، تحول الأردن إلى نموذج تنموي رغم شح الموارد: التعليم، الصحة، التكنولوجيا، وريادة الأعمال لم يكن هذا صدفة، بل رؤية مفادها أن العلم لا يُحمى بالصواريخ فقط، بل باقتصاد معرفي يعيد تعريف قوة الدولة.أما اللون الأخضر (الفاطمي ورمز آل البيت)، فكان عنواناً لـ رسالة عمان والإسلام الوسطي أطلق جلالته مبادرات عالمية لمكافحة الإرهاب الفكري، وجعل من الأردن منبراً للحوار بين الأديان في وقت تحول فيه الدين إلى سلاح، جعل جلالته من الأخضر راية تسامح لا تطرف.النجمة السباعية: وحدة الصف في زمن التشرذمالنجمة السباعية ترمز إلى "السبع المثاني" والتوحيد. جلالة الملك جعل منها برنامجاً سياسياً:· داخلياً: المواطنة الكاملة تحت العلم الأردني، يجتمع الأردنيون من كل الأصول (شركس، شيشان، مسيحيون، عرب) ككتلة واحدة.· إقليمياً: كان جلالته دائماً صوت الوحدة في القمم العربية والإسلامية، داعياً إلى طي الخلافات ومواجهة الأخطار المشتركة.في يوم العلم، لا نحتفي فقط بألوان راية الثورة العربية الكبرى، بل نحتفي بنموذج دولة استطاعت، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، أن تحول الرمز إلى رسالة، والتاريخ إلى سياسة، والراية إلى هندسة وجود.بينما تحترق دول الجوار، ويُعاد رسم الخرائط، ويُختبر ولاء الحلفاء، بقي العلم الأردني مرفوعاً، مرادفاً للثبات، والاعتدال، والرسالة الهاشمية التي لم تتغير منذ الشريف حسين بن علي رحمه الله حتى اليوم.العدوان يكتب: هذا هو الأردن.. وهذه هي قصة علم لا يُقرأ بل يُعاش
مدار الساعة ـ