أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الزعبي يكتب: محادثات إسلام آباد.. التفاوض تحت ظل التصعيد، لا باتجاه الحل


محمد رسول هاني الزعبي
باحث في الاقتصاد السياسي الدولي

الزعبي يكتب: محادثات إسلام آباد.. التفاوض تحت ظل التصعيد، لا باتجاه الحل

محمد رسول هاني الزعبي
محمد رسول هاني الزعبي
باحث في الاقتصاد السياسي الدولي
مدار الساعة ـ

تمثل المحادثات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد لحظة نادرة ومفصلية في تاريخ العلاقة بين الطرفين، إذ تعكس أعلى مستوى من الانخراط الدبلوماسي المباشر منذ أكثر من أربعة عقود. غير أن أهمية هذه المحادثات لا تكمن في بعدها الدبلوماسي فحسب، بل في كونها تشير إلى تحول بنيوي في كيفية إدارة الصراع بين الطرفين. وعلى خلاف التوقعات التقليدية، لا تبدو هذه المفاوضات متجهة نحو تسوية نهائية، بقدر ما تعكس واقعاً أكثر تعقيداً يتمثل في توظيف التفاوض كامتداد لمسار التصعيد.

في صلب هذه المحادثات، يبرز تحول واضح في طبيعة القضايا المطروحة، حيث لم يعد البرنامج النووي الإيراني يحتل موقعه التقليدي كأولوية قصوى. فعلى الرغم من التصريحات السابقة التي أدلى بها ترامب ، والتي اعتبر فيها أن الملف النووي يشكل النسبة الأكبر من جوهر الخلاف، تشير المعطيات الراهنة إلى أن بؤرة التوتر انتقلت نحو اعتبارات جيوسياسية أكثر إلحاحاً، وعلى رأسها مضيق هرمز والساحة اللبنانية.

ولا يبدو هذا التحول عارضاً أو تكتيكياً، بل يعكس إعادة تشكيل في منطق الصراع ذاته. فبالنسبة لإيران، لم يعد مضيق هرمز مجرد أداة ضغط ظرفية تُستخدم في سياق التفاوض، بل أصبح امتداداً لمفهوم السيادة الوطنية. وعليه، فإن الإشكالية لم تعد تتعلق بحرية الملاحة بقدر ما تتمحور حول من يمتلك سلطة تعريف قواعدها. هذا التأطير يخرج مضيق هرمز من نطاق القضايا القابلة للتفاوض، ويدخله ضمن الثوابت الاستراتيجية.

وتؤكد التطورات الميدانية هذا التوجه، حيث أعلنت الولايات المتحدة اتخاذ خطوات لتأمين المضيق، بما في ذلك عمليات إزالة الألغام، في حين نفت إيران هذه الرواية وأكدت أنها وجهت تحذيرات مباشرة للسفن الأمريكية. وتشير بيانات تتبع الملاحة إلى احتمال قيام إحدى القطع البحرية الأمريكية بتغيير مسارها، وهو ما يمكن تفسيره ليس كاستعراض للقوة، بل كاختبار محسوب لحدود التصعيد. ويعكس هذا المشهد انتقال الصراع من منطق اختبار القدرات العسكرية إلى منطق اختبار الإرادة السياسية.

وفي موازاة ذلك، تبرز الساحة اللبنانية كعنصر مركزي في الحسابات الإيرانية، حيث تصر طهران على ربط أي اتفاق لوقف إطلاق النار بإدراج لبنان ضمنه. ويعكس هذا الموقف محاولة لإعادة هيكلة الصراع ضمن إطار إقليمي مترابط، بحيث لا يمكن عزل الجبهات عن بعضها البعض. في المقابل، تسعى إسرائيل، بقيادة نيتنياهو ، إلى تفكيك هذا الترابط، من خلال التعامل مع كل جبهة على حدة، بهدف الحد من قدرة إيران على فرض معادلة تفاوضية شاملة.

وفي هذا السياق، يمكن فهم الانتقادات الإيرانية للمسارات الدبلوماسية الموازية—لا سيما تلك التي تشمل أطرافاً لبنانية في قنوات تواصل مع إسرائيل برعاية أمريكية—على أنها تعبير عن قلق عميق من محاولات تهميش الدور الإيراني في صياغة مخرجات التسوية. وعليه، فإن هدف إيران لا يقتصر على الوصول إلى وقف إطلاق النار، بل يتجاوز ذلك إلى تحديد شروطه والتحكم في مآلاته السياسية.

أما على صعيد ديناميكيات التفاوض، فإن امتداد المحادثات لساعات طويلة يعكس انتقالها من مستوى المبادئ العامة إلى التفاصيل التنفيذية، وهي المرحلة التي تميل فيها المواقف إلى التصلب. ومن ثم، فإن استمرار الطرفين في التفاوض يمكن تفسيره في إطار سعي مشترك لتجنب التصعيد الشامل، دون أن يعني ذلك اقتراب التوصل إلى تسوية نهائية. وفي ضوء ذلك، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في التوصل إلى اتفاق إطار محدود، يُرافقه تمديد لوقف إطلاق النار.

ومن المؤشرات اللافتة أيضاً تطور الخطاب الإيراني بشأن الأصول المالية المجمدة، حيث تم توسيع نطاقها من نحو ستة مليارات دولار إلى ما يقارب سبعة وعشرين مليار دولار موزعة عبر عدة مناطق. ولا يمثل هذا التحول مجرد إعادة تقدير كمي، بل يعكس ارتقاء البعد الاقتصادي إلى مستوى أحد أعمدة التفاوض الأساسية، بما يعيد تعريف كلفة أي اتفاق محتمل.

في المقابل، تكشف النقاشات الداخلية في إيران عن حدود المرونة التفاوضية، إذ يُنظر إلى تخصيب اليورانيوم على نطاق واسع باعتباره حقاً سيادياً غير قابل للمساومة. ومع ذلك، قد تبرز صيغ وسطية، مثل فرض قيود مؤقتة مقابل اعتراف دولي بهذا الحق، إلا أن مثل هذه الترتيبات تظل هشة بطبيعتها وتعتمد على ضمانات استراتيجية أوسع.

وتزداد تعقيدات المشهد بفعل دور الفاعلين الخارجيين، وعلى رأسهم إسرائيل، حيث تُفسَّر الضربات المستمرة في لبنان والتصريحات المتعلقة بإمكانية استهداف البرنامج النووي الإيراني مستقبلاً على أنها محاولات لرفع كلفة التسوية وربما تقويضها. ويعزز ذلك من المخاوف داخل إيران من أن أي اتفاق، حتى وإن تم التوصل إليه، قد يظل عرضة للانهيار بفعل تدخلات خارجية.

وربما تكمن السمة الأبرز لهذه المرحلة فيما يجري خارج قاعة التفاوض. فالمؤشرات تفيد بأن كلا الطرفين يستعد لاحتمال فشل المسار الدبلوماسي؛ إذ تعمل إيران على إعادة بناء قدراتها العسكرية، في حين تشير التحركات اللوجستية الأمريكية والإسرائيلية إلى استعدادات موازية. ويعكس هذا التوازي نموذجاً يمكن وصفه بـ"التفاوض تحت ظل التصعيد"، حيث لا تُستبدل أدوات القوة بالدبلوماسية، بل تُستخدم بالتوازي معها.

تكشف محادثات إسلام آباد حقيقة جوهرية في ديناميكيات الصراعات المعاصرة، مفادها أن الحروب لم تعد تُحسم عبر التفاوض وحده، بل تُدار من خلال تفاعل مستمر بين الدبلوماسية وأدوات الإكراه. وما دامت العوامل البنيوية المولّدة للصراع قائمة، فإن أي اتفاق يتم التوصل إليه سيظل مؤقتاً بطبيعته.

وعليه، فإن إسلام آباد لا تمثل نقطة نهاية للصراع، بقدر ما تمثل لحظة لإعادة ضبطه وإدارته ضمن توازنات جديدة.

*باحث في الاقتصاد السياسي الدولي

مدار الساعة ـ