لم تكن المعرفة يوما امتيازا يمنح، ولا ميراثا مغلقا تحتكره نخبة تدعي الوصاية على العقول، بل هي في جوهرها فعل انساني تراكمي، ساهم في بنائه البشر عبر العصور، كلٍ بما امتلك من تجربة وفهم ومعرفة، ومن هنا فان الادعاء بحصرية الفهم او محاولة احتكارة لا يعدو كونه وهما فكريا، يعكس هشاشة اكثر مما يعكس قوة، ويستحق النقد اكثر مما يستحق التسليم.
ان قراءة التاريخ تكشف لنا بوضوح ان التقدم الانساني لم يكن يوما نتاج عقل منفرد، ولا ثمرة جماعة مغلقة، بل كان نتيجة حوار مفتوح، وصراع افكار، وتلاقح رؤى، فكل قفزة حضارية شهدتها البشرية كانت وليدة تعددية في التفكير، لا انغلاقا عليه، وكل محاولة لتسييج المعرفة، او فرض الوصاية عليها، انما تقود الى الجمود، وتحول الفكر من اداة تحرر الى وسيلة اقصاء.ولعل الخطر الحقيقي الذي يواجه مجتمعاتنا اليوم لا يتمثل في الجهل بحد ذاته، بل في ذلك الوهم بالمعرفة المطلقة، ذلك الشعور الزائف بامتلاك الحقيقة، والنظر الى الاختلاف باعتباره تهديدا لا فرصة، فعندما يدعي فرد او تيار انه يملك الحقيقة كاملة، فانه لا يغلق باب الحوار فحسب، بل يسلب المعرفة روحها النقدية التي تجعلها حية ومتجددة. المعرفة الحقيقية لا تخشى الاسئلة، ولا تنزعج من الشك، ولا تحتاج الى حراس يمنعون الاخرين من الاقتراب منها، على العكس، هي تزدهر بالنقاش، وتشتد عودا بالاختلاف، وتترسخ بالمراجعة المستمرة، انها كائن حي، يتغذى على التفاعل.اما اولئك الذين يدعون احتكار الفهم، فانهم دون ان يشعروا يكشفون حدودهم قبل ان يثبتوا حججهم، فالعقل الحر لا يخشى المقارنة، ولا يهاب النقد، بل يبحث عنه، لانه يدرك ان الحقيقة لا تصان بالاغلاق، بل بالاختبار المستمر.ان الاعتراف بان المعرفة مشاع انساني لا ينتقص من قيمة احد، بل يضع الانسان في موقعه الطبيعي، باحثا لا وصيا، مشاركا لا مالكا، وبهذا الفهم وحده يمكن للمجتمعات ان تبني وعيا صحيا، يحترم خبرات الاخرين، ويصون حق الجميع في التفكير والسؤالغير ان الايمان بهذه القيم لا يكفي ما لم يتحول الى ممارسة، فالمعرفة التي لا تتداول تذبل، والتي لا تناقش تتصلب، والتي لا تطبق تفقد معناها، ومن هنا فان صناعة المستقبل تبدا من تحويل المعرفة الى فعل ومسؤولية مشتركة ، اساسها التعلم المستمر، ومشاركة الخبرات، وبناء مساحات للحوار، وتفعيل التفكير النقدي، وتحويل الافكار الى مبادرات تخدم الواقع. فالمستقبل لا يصنع في العقول المنغلقة، بل في العقول المتفاعلة، ولا يبنى بالصمت، بل بالنقاش، ولا يتشكل باليقين الجامد، بل بالسؤال الدائم، وتبقى الحقيقة الاهم ان المعرفة لا تكون قوة حقيقية الا حين تكون متاحة ولا تكون حية الا حين تكون محل تساؤل ولا تصنع مستقبلا الا حين تصبح مسؤولية الجميع.الشريدة يكتب: المعرفة ليست امتيازاً بل مسؤولية مشتركة
مدار الساعة ـ