في زمنٍ تتكاثر فيه الشعارات وتعلو فيه النبرة على حساب المعنى، يعود الحديث عن حدود الدولة الفلسطينية محمولًا على صيغ متباينة بعضها يستند إلى القانون، وبعضها الآخر يكتفي بالاندفاع العاطفي، غير أن السياسة حين تُؤخذ بجدّيتها لا تُدار بالانفعال بل تُبنى على قواعد واضحة ومرجعيات مُعترف بها..
الأساس القانوني لحدود الدولة الفلسطينية ليس ساحة مفتوحة للتأويل، بل يرتكز إلى قرارات دولية راسخة، في مقدمتها قرار مجلس الأمن 242 لعام 1967 الذي نصّ على انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها آنذاك، ثم القرار 338 الذي أعاد تثبيت هذا الإطار، وعلى هذا الأساس تكرّس في الوعي الدولي أن الحل يتمثل في إقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967، تضم الضفة الغربية وقطاع غزة، وتكون القدس الشرقية عاصمتها..هذا التصور لم يبقَ نظريًا فقد انتقل إلى الحيّز السياسي مع اتفاقيات أوسلو عام 1993، حيث جرى الاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، بما كرّس مبدأ حل الدولتين وهو مسار سبقته وأعقبته ترتيبات إقليمية، من بينها اتفاقية وادي عربة عام 1994، التي نظّمت العلاقة الأردنية الإسرائيلية ضمن إطار الاعتراف المتبادل واحترام الحدود، في سياق سياسة أردنية اتسمت بالاتزان والالتزام بالقانون الدولي على جميع الأطراف..في الحالة الأردنية لا يمكن فصل الخطاب السياسي عن هذه المحددات فالدولة التي بنت سياستها الخارجية على مزيج من الواقعية والانضباط القانوني، لا تحتمل طرحًا يتجاوز هذه المرجعيات أو يتناقض مع التزاماتها، وبناءً عليه فإن أي حزب يعمل ضمن إطار الدستور والقانون يجد نفسه ملزمًا بالانسجام مع هذه الثوابت لا القفز فوقها تحت ضغط الشارع أو إغراء الشعارات..هنا تتجلى الإشكالية في بعض الطروحات التي ترفع عناوين واسعة مثل “من البحر إلى النهر” فهذه الشعارات مهما بلغت قوتها التعبوية لا تستند إلى أساس قانوني معترف به دوليًا، ولا يمكن تحويلها إلى برنامج سياسي قابل للتطبيق في دولة تحترم التزاماتها وتبني سياساتها على قواعد واضحة وعند إخراجها من سياقها الحماسي، يظهر التباين بين ما يُقال وما يمكن تحقيقه..الخروج عن هذا الإطار ليس تفصيلًا عابرًا بل انتقالًا كاملًا في الرؤية السياسية يتطلب وضوحًا في الطرح واستعدادًا لتحمل نتائجه، أما الاكتفاء برفع الشعارات دون ما يوازيها من مواقف مسؤولة فسرعان ما يتبدد عند أول اختبار..في القضايا المصيرية لا يُقاس الموقف بعلو صوته، بل بصلابته أمام الواقع وبمدى اتكائه على القانون، وبين الشعار والشرعية يظل الفرق قائمًا: الأول يحرّك الجماهير، أما الثانية فتصنع الدول.الجماعات يكتب: بين الشعار والشرعية.. حدود الدولة الفلسطينية في ميزان الواقع
مدار الساعة ـ