أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أحزاب أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

العمرو يكتب: أرزة في مهب الريح المسمومة واستلاب الإرادة الوطنية اللبنانية


نضال الثبيتات العمرو

العمرو يكتب: أرزة في مهب الريح المسمومة واستلاب الإرادة الوطنية اللبنانية

مدار الساعة ـ
العمرو يكتب: أرزة في مهب الريح

قلوبنا التي تعمّدت بماء الياسمين في عمّان لا يمكنها أن تشيح بنظرها عن احتراق الأرز في بيروت، فنحن في الأردن ندرك تماماً أن وجع لبنان هو وجعنا المُقيم، وأن صرخة الثكلى في بيروت وطرابلس و الجنوب يتردد صداها في جبال السلط والكرك والبادية؛ لبنان بالنسبة لنا ليس مجرد حيز جغرافي أو دولة شقيقة، بل هو رئة يتنفس منها العروبيون الأحرار، وحلم مدني أصيل يُراد له أن يُذبح كل يوم على مذبح الأطماع الإقليمية والمشاريع العابرة للحدود التي لا تشبهنا؛ أكتب اليوم والغيرة على هذا الوطن المنكوب تدفعني لنبش الحقائق المُرّة التي يحاول الكثيرون طمرها تحت شعارات المقاومة الزائفة أو ادعاءات الحماية المضللة، فما يشهده لبنان ليس إلا طعنة في خاصرة الكرامة التي نتقاسمها، واستباحة لسيادة إنسان لم يطلب يوماً سوى أن يكون سيداً في بيته، بعيداً عن وصاية الجلادين أو سماسرة الحروب الذين جعلوا من ساحات بيروت ومناراتها منطلقاً لمشاريعهم المشبوهة.

فحقيقة لبنان التاريخية تكشف عن كيان جرى تحويله قسرا من ملتقى للحضارات ومنارة للشرق إلى مختبر للصراعات الإقليمية والدولية الدامية، فهذا الوطن الذي كان من المفترض أن يكون سيدا مستقلا بقراره، وجد نفسه منذ عقود ساحة مستباحة لكل من أراد تصفية حساباته أو تحسين شروط تفاوضه على حساب دماء اللبنانيين وبنيتهم التحتية؛ فالمأساة اللبنانية لم تكن يوما قدر جغرافي محض، بل كانت نتيجة هندسة سياسية خبيثة شاركت فيها أطراف عدة، حيث تعمدت قوى إقليمية تغييب الدولة المركزية لصالح كانتونات وفصائل تدين بالولاء للخارج أكثر من ولائها لبيروت.

لبنان المنكوب بصراعات الآخرين لم يمنح فرصة حقيقية لبناء خيارات وطنية نابعة من مصلحة شعبه، فقد تدفقت الأموال والأسلحة من بعض العواصم في المنطقة لتغذية تنظيمات جعلت من الأراضي اللبنانية منصة لإطلاق مشاريعها، بينما زرع النظام الإيراني مشروعه الفارسي التوسعي في قلب النسيج اللبناني محولا طائفة كريمة إلى رأس حربة في مشروع عابر للحدود لا يخدم في جوهره سوى أجندة طهران؛ وفي سياق هذا الاختطاف الممنهج، مارس نظام الأسد في دمشق احتلال طويل ومباشر تحت شعارات براقة تدعي حماية لبنان ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي، بينما كان الواقع يشير إلى تدمير ممنهج للمؤسسات اللبنانية واغتيال لكل صوت حر حاول استعادة السيادة المسلوبة.

المفارقة المأساوية التي تدمي القلوب تكمن في أن من استباحوا الساحة اللبنانية وحولوها إلى صندوق بريد بحجة الدفاع عن القضية الفلسطينية ومقارعة العدو الصهيوني، هم أنفسهم من ذهبوا لاحقا لتوقيع معاهدات سلام واتفاقيات أمنية مع إسرائيل، تاركين لبنان وحيدا يواجه آلة الحرب الإسرائيلية ويتحمل تبعات حروب لم يقرر خوضها ولم يستشر في توقيتها؛ لقد ذاق لبنان كل أشكال العدوان والدمار، بينما كان أشقاؤه والمتاجرون بقضاياه يراقبون من بعيد، أو يكتفون ببيانات التنديد، أو حتى ينسقون من تحت الطاولة لضمان استقرار حدودهم هم على حساب الفوضى اللبنانية المستدامة.

آن الأوان ليدرك العالم، واللبنانيون قبل غيرهم، أن استعادة لبنان تبدأ من فك الارتباط بكل المشاريع الخارجة عن حدود الوطن، فلبنان يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن تكون مصالحه الوطنية هي البوصلة والغاية؛ فمفهوم لبنان أولاً ليس شعار انعزالي، بل هو ضرورة وجودية لضمان بقاء هذا الكيان وتطهيره من سموم التبعية التي أهلكت الزرع والضرع؛ فلا يمكن بناء دولة مؤسسات وقانون في ظل وجود دويلات داخل الدولة، ولا يمكن تحقيق استقرار اقتصادي بينما القرار السيادي مرتهن لعواصم لا ترى في لبنان سوى ورقة ضغط في ملفات نووية أو حدودية.

المستقبل الذي ننشده لهذا الوطن يتطلب شجاعة سياسية منقطعة النظير لقطع خيوط الدمى التي تحركها الأصابع الخارجية، فالتاريخ لن يرحم من فرط في سيادة بلده لصالح وهم وحدة الساحات التي لم تجلب للبنان سوى الخراب والتباكي على الأطلال؛ إن الخلاص اللبناني يمر حتما عبر استعادة الدولة لهيبتها، وحصر السلاح في مؤسساتها الشرعية، والعودة إلى العمق العربي والدولي كشريك فاعل لا كمنصة للهجوم؛ إن لبنان الذي نحلم به هو الذي يضع كرامة مواطنه فوق كل اعتبار، وهو الذي يرفض أن يكون قربان على مذبح طموحات إمبراطورية واهمة لأي كان أو صراعات إقليمية عقيمة.

مدار الساعة ـ