أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أبو زيد يكتب: حينَ تَسقُطُ الدُّوَلُ في فَراغِ الفِكر.. يُولَدُ التَّطَرُّفُ وَيَتَجَذَّرُ الإِرْهَابُ


زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار

أبو زيد يكتب: حينَ تَسقُطُ الدُّوَلُ في فَراغِ الفِكر.. يُولَدُ التَّطَرُّفُ وَيَتَجَذَّرُ الإِرْهَابُ

زيد أبو زيد
زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار
مدار الساعة ـ
الأزمات والحروب والفقر والجهل.. الطريق الخفي نحو صناعة الإرهاب

في عالمٍ يضجّ بالتحولات العنيفة، لم يعد التطرف ظاهرة طارئة، بل نتيجة طبيعية لاختلالات عميقة تضرب بنية الدول والمجتمعات. فحين تتراكم الأزمات، وتضعف المؤسسات، ويغيب الوعي، تتشكل بيئة هشة تُنبت أخطر الظواهر: التطرف، الذي قد يتطور إلى إرهاب، أو إلى ما هو أشد خطورة، وهو “التطرف العنيف” بوصفه الجسر بين الفكرة والسلوك.

من المهم التمييز بين مفاهيم ثلاثة مترابطة: التطرف كفكرة، والإرهاب كسلوك، والتطرف العنيف كمرحلة انتقالية بينهما. ومن هنا، فإن المواجهة الحقيقية تبدأ من تحصين الفكر قبل ملاحقة الفعل.

غير أن أخطر ما يغذي هذه الظواهر ليس فقط الفقر أو الجهل، بل أيضًا تلك اللحظات التاريخية التي تنهار فيها الأنظمة دون وجود بديل حقيقي، فتتشكل “التربة الرخوة” التي تنمو فيها الفوضى، ومنها يتولد التطرف، ثم الإرهاب.

وفي موازاة ذلك، فإن التحصين المجتمعي يمثل خط الدفاع الأول، بدءًا من الأسرة، مرورًا بالمؤسسات التعليمية، وصولًا إلى دور العبادة ومؤسسات المجتمع المدني. وهنا تتجلى أهمية الخطاب الديني المعتدل، القائم على الرحمة والتسامح ونبذ الغلو.

وفي هذا السياق، يبرز الدور الريادي لجلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين، الذي قدّم نموذجًا متقدمًا في مواجهة التطرف فكريًا، وليس فقط أمنيًا. ولعلّ رسالة عمان تُعد من أبرز المبادرات العالمية التي أعادت تقديم الإسلام بصورته الحقيقية، دينًا يقوم على الوسطية والتسامح، ويُدين الغلو والتكفير، ويغلق الباب أمام محاولات توظيف الدين لتبرير العنف. وقد جاءت هذه الرسالة في لحظة مفصلية، لتؤكد أن المواجهة تبدأ من تصحيح المفاهيم، لا من تكريس الصراعات.

إن بناء منهج تربوي وثقافي متكامل، يستند إلى مثل هذه الرؤى، لا يسهم فقط في مواجهة التطرف، بل في بناء إنسان متوازن، قادر على التفاعل الإيجابي مع مجتمعه والعالم.

لكن، وعلى مستوى أوسع، لا يمكن فصل هذه الظواهر عن السياق الدولي والإقليمي المتوتر، حيث تتداخل المصالح السياسية والاقتصادية، وتُختزل أحيانًا بخطابات مضللة كـ”صراع الحضارات”، بينما الحقيقة أنها صراعات نفوذ ومصالح.

وقد أظهرت الحروب الأخيرة في المنطقة كيف يمكن أن تتحول بعض الدول إلى ساحات لتصفية الحسابات، وكيف تتولد من هذه الصراعات مشاعر الإحباط والغضب التي قد تُستثمر في تغذية التطرف، خاصة لدى الأجيال التي تعيش آثارها المباشرة.

ورغم محاولات التهدئة والدخول في مفاوضات حول قضايا استراتيجية، تبقى هذه الحلول مؤقتة ما لم تُعالج الجذور الحقيقية للأزمات، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي تمثل محورًا أساسيًا في تشكيل الوعي الجمعي في المنطقة.

إن العالم اليوم أمام خيارين: إما الاستمرار في إدارة الأزمات، أو الانتقال إلى مرحلة صناعة الحلول. فالتطرف والإرهاب ليسا سوى نتائج، أما الأسباب فتكمن في غياب العدالة، وضعف التنمية، وانهيار التوازنات.

ويبقى السؤال: هل نستطيع أن نحول التجارب الفكرية الرائدة—مثل رسالة عمان—إلى مشروع عالمي شامل يُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والدين والدولة؟ ربما يكون ذلك بداية الطريق نحو عالم أكثر توازنًا وسلامًا.

مدار الساعة ـ