أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

العظامات يكتب: السلام على الورق فقط.. حين يتحول القانون الدولي إلى أوراق في أدراج السياسة


عروة العظامات

العظامات يكتب: السلام على الورق فقط.. حين يتحول القانون الدولي إلى أوراق في أدراج السياسة

مدار الساعة ـ

لم يكن الشرق الأوسط يومًا مجرد مساحة جغرافية على خريطة العالم، بل كان عبر التاريخ ملتقى للحضارات ومركزًا للتجارة ومهدًا لثقافات وأديان شكلت جزءًا كبيرًا من تاريخ البشرية. ومع ذلك، فإن هذه المنطقة التي قدّمت للعالم إرثًا حضاريًا عظيمًا تحولت في العصر الحديث إلى ساحة صراع دائم وتنافس مستمر بين القوى الكبرى.

تعود جذور كثير من تعقيدات المنطقة إلى بدايات القرن العشرين، عندما بدأت القوى الاستعمارية بإعادة رسم حدودها السياسية بعد انهيار الدولة العثمانية. وكان من أبرز تلك المحطات اتفاقية سايكس بيكو التي أعادت رسم خريطة المنطقة وفق مصالح القوى الخارجية أكثر مما راعت واقع الشعوب وتطلعاتها.

ومع اكتشاف النفط والغاز في المنطقة خلال القرن العشرين، ازدادت أهمية الشرق الأوسط في الحسابات الدولية. فقد أصبحت ثرواته الطبيعية ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي، مما جعل المنطقة محورًا للتنافس بين القوى الكبرى التي تسعى إلى ضمان مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.

ولا يقتصر الأمر على الثروات فقط، بل إن الموقع الجغرافي للشرق الأوسط يمنحه أهمية استثنائية. فهو يضم ممرات بحرية تعد من أهم شرايين التجارة العالمية مثل قناة السويس ومضيق هرمز، الأمر الذي جعل المنطقة محط أنظار القوى الدولية التي تسعى للحفاظ على نفوذها وتأمين مصالحها.

لكن وسط هذه الحسابات السياسية والاستراتيجية، غالبًا ما يتم تجاهل الحقيقة الأكثر وضوحًا: أن هذه الأرض يسكنها ملايين البشر الذين يحلمون بحياة طبيعية وآمنة. فالصراعات التي شهدتها المنطقة في العقود الأخيرة، مثل غزو العراق وما تبعه من اضطرابات، لم تكن مجرد أحداث سياسية عابرة، بل تركت آثارًا إنسانية عميقة امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية للناس.

لقد نشأت أجيال كاملة في الشرق الأوسط وهي لا تعرف معنى الاستقرار الحقيقي. عاش الآباء حياتهم بين الحروب والأزمات، وكبر الأبناء وهم يسمعون الوعود نفسها التي تتكرر في كل مرة: الحديث عن السلام، وعن العدالة، وعن القانون الدولي الذي يفترض أن يحمي الشعوب ويمنع الظلم.

لكن الواقع الذي عاشته شعوب المنطقة كان مختلفًا تمامًا. فقد قضى كثيرون أعمارهم وهم يسمعون عن مبادئ القانون الدولي وعن قيم السلام العالمي، دون أن يروا انعكاسًا حقيقيًا لها على أرض الواقع. ومع مرور الزمن، بدأ يتشكل لدى كثير من الناس شعور مرير بأن هذه المبادئ ليست دائمًا أكثر من كلمات جميلة على الورق، تُستدعى عندما تخدم مصالح معينة، وتُنسى عندما تتعارض مع حسابات السياسة والنفوذ.

فالقوانين التي يُفترض أن تكون مرجعًا للعدالة الدولية تبدو أحيانًا وكأنها أوراق محفوظة في الأدراج، يجري استخدامها أو تجاهلها بحسب الموقع والظرف والجهة المعنية. وفي ظل هذا التناقض، يشعر كثير من أبناء المنطقة بأن العدالة الدولية لا تطبق بالمعايير نفسها على الجميع.

ورغم كل ذلك، فإن شعوب الشرق الأوسط لم تفقد قدرتها على الأمل. فالرغبة في السلام والاستقرار ما زالت حاضرة بقوة في وجدان الناس. الأحلام الحقيقية لأبناء هذه المنطقة ليست في الصراعات الجيوسياسية ولا في حسابات النفوذ الدولية، بل في تعليم أفضل لأطفالهم، واقتصاد يوفر فرص العمل، ومجتمعات يسودها الأمن والكرامة الإنسانية.

إن مستقبل الشرق الأوسط لا ينبغي أن يبقى رهينة لصراعات القوى الكبرى أو توازنات السياسة الدولية. فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق عبر موازين القوة وحدها، بل عبر احترام إرادة الشعوب، وتعزيز التنمية، وبناء علاقات دولية تقوم على الشراكة والعدالة.

وربما آن الأوان لأن يتحول الحديث عن الشرق الأوسط من كونه “منطقة أزمات” إلى كونه منطقة فرص وإمكانات. فهذه الأرض التي كانت يومًا مهد الحضارات قادرة أيضًا على أن تكون أرضًا للنهوض والتجدد، إذا ما أُعطيت شعوبها الفرصة الحقيقية لبناء مستقبلها بعيدًا عن الحروب والصراعات.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يطرحه ملايين الآباء والأمهات في هذه المنطقة بسيطًا لكنه عميق: أي عالم سنتركه لأطفالنا؟
الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق بالسياسة وحدها، بل بمدى قدرة العالم على أن يكون أكثر عدلًا وإنسانية.

مدار الساعة ـ