أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أحزاب أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

نحن في نعمة لا يدركها الكثير


سلامة الدرعاوي

نحن في نعمة لا يدركها الكثير

مدار الساعة (الغد) ـ

يبرز النموذج الأردني بوصفه حالة مختلفة تقوم على الثبات لا الارتباك، وعلى التخطيط لا ردّ الفعل، فالمقارنة المباشرة مع ما يجري في دول أخرى تكشف الفارق بوضوح؛ دول تحدد سقوفًا لسحب الوقود، وأخرى تلجأ إلى الإغلاقات أو التعليم عن بُعد، وفي بعض الأسواق تصطف الطوابير للتحول إلى الدولار أو الذهب، فيما تتجه دول إلى تخزين المشتقات النفطية بشكل هستيري، وهذه السلوكيات تعكس حالة قلق وعدم يقين.

ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو الصورة الأردنية مختلفة بوضوح عن كثير من الصور المحيطة بنا، ففي وقت دفعت فيه ظروف الحرب دولًا إلى إجراءات استثنائية مباشرة، يأتي المشهد اليومي في الأردن وحده يكفي لقراءة هذا الفارق، إذ إن الناس تذهب وتعود، الحركة مستمرة ليلًا، المحال مفتوحة، والحياة العامة تسير دون شعور فعلي بأن البلاد تعيش على وقع حرب كما هو الحال في دول أخرى حولها، ولا قلق ظاهر على مستوى الكهرباء أو الوقود أو السلع الأساسية، وهذا مؤشر عميق على أن المواطن الأردني يتحرك في بيئة يغلب عليها الشعور بالأمان والثقة، وهي ثقة لا تُبنى بالخطاب، إنما بأداء مؤسسي متراكم ومقنع.

ومن أبرز ما يكشف متانة هذا الأداء أن الطلب على الدينار كان قويًا جدًا، خلافًا للمنطق الذي يسود عادة في أوقات التوتر، حين يندفع الناس نحو الدولار باعتباره ملاذًا آمنًا، وفي الحالة الأردنية، حصل العكس؛ الطلب على العملة الوطنية بقي مرتفعًا، والبنك المركزي تعامل مع ذلك بثقة وكفاءة، بما يعكس ليس فقط قوة الطلب على العملة المحلية، إنما أيضًا قدرة السياسة النقدية على إدارة السوق بسلاسة ومن دون ارتباك، وهذه نقطة محورية، لأن قوة الدينار مرآة لثقة عامة بالاقتصاد وبالمؤسسات التي تديره.

ولا يقف الأمر عند العملة، فالمؤشرات المالية بقيت ضمن معدلاتها الطبيعية، دون أن تشهد قرارات مقلقة أو مفاجئة، كذلك فإن الناس ما تزال تتزود بالمحروقات بصورة طبيعية، من دون قيود ومن دون ازدحامات غير مألوفة، والكهرباء لم تشهد انقطاعات مبرمجة أو اضطرابات واسعة، كما لم تظهر اختلالات في التزود بالسلع الاستهلاكية أو في السلوك الاستهلاكي العام.

حتى على مستوى النقل الجوي، بقي المطار يعمل بأريحية، واستمرت شركات الطيران، وفي مقدمتها الملكية الأردنية، في العمل بصورة طبيعية، وهو ما يعزز فكرة أن الدولة نجحت في حماية انسياب الحياة اليومية والخدمات الأساسية من عدوى التوتر الإقليمي.

هذا كله لا يمكن فصله عن طبيعة القرار الحكومي في الأردن، وهو قرار يقوم، على الثبات لا التسرع، وعلى الدراسة لا التجريب، إذ إن الحكومة لا تتعامل مع البلد بوصفه حقل اختبارات، فلا تتخذ قرارًا ثم تتراجع عنه تحت الضغط أو الارتباك، لكن تبني قراراتها بهدوء وعلى أساس فهم عميق لما يصلح للاقتصاد وما لا يصلح له.

قيمة هذا النهج أنه يبدد القلق قبل أن يتحول إلى ذعر، ويمنح الفاعلين الاقتصاديين والمواطنين إحساسًا بأن هناك من يدير المشهد وفق رؤية وخطة، لا وفق ردود فعل آنية.

والأهم أن هذا الثبات لم يكن سياسيًا أو إداريًا فقط، لكن كان أيضًا اقتصاديًا بمستوييه النقدي والمالي، فهناك انسجام واضح بين السياسة النقدية التي وفرت تسهيلات وحزمًا تمويلية بأريحية وتلقائية، وبين السياسة المالية التي بقيت ثابتة وغير متزعزعة، واتخذت قرارات منسجمة مع هدف أساسي هو تأمين استقرار البلد واستمرار انسياب السلع والخدمات.

الخلاصة أننا في المملكة نعيش في نعمة كبيرة لا يدركها الكثير، وأن ما يعيشه الأردن حاليا نتيجة سياسة ثابتة وفق رؤية شاملة؛ رؤية تدير انعكاس الحرب المحيطة من دون أن تنقلها إلى الداخل، وتحصّن الاقتصاد من دون ضجيج، وتحافظ على العملة، والخدمات، والسلع، والمطار، والأسواق، والأهم من ذلك كله، تحافظ على شعور الناس بالأمان والثقة، وهذا هو جوهر النجاح الحقيقي في إدارة الأزمات.

مدار الساعة (الغد) ـ