أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أبواق التنظيمات وموسم الإساءة إلى الحاضنة العربية تُنفّر الشعوب وتصب لصالح الاحتلال.


نضال الثبيتات العمرو

أبواق التنظيمات وموسم الإساءة إلى الحاضنة العربية تُنفّر الشعوب وتصب لصالح الاحتلال.

مدار الساعة ـ

تتطلب القراءة الاستخباراتية الرصينة لأي ظاهرة سياسية متفاقمة الابتعاد عن الانفعال، والاقتراب من البنية؛ وفي الحالة الفلسطينية، لم يعد ممكن التعامل مع ما يجري على منصات التواصل بوصفه مجرد انفلات لفظي أو انحدار في آداب الخطاب العام، لأن الوقائع المتراكمة تشير إلى تشكل نمط وظيفي متكامل، تتقاطع فيه الحسابات الفصائلية الضيقة مع الأجندات العابرة للحدود، ليُنتج في المحصلة خطاب عدائي موّجه ضد دول عربية مركزية، وفي مقدمتها الأردن ودول الخليج ومصر وسوريا، على نحو لا يسيء إلى هذه الدول بقدر ما ينسف تدريجياً الرصيد الاستراتيجي للقضية الفلسطينية في وجدان شعوبها ودوائر قرارها.

المشكلة لم تعد في وجود أصوات فلسطينية غاضبة، فالغضب مفهوم في سياق تاريخ طويل من الخذلان الدولي والاحتلال والاقتلاع، بل في تحول هذا الغضب، لدى شريحة من المحسوبين على تنظيمات فلسطينية أو على بيئات حاضنة لها في الداخل والمخيمات والشتات، إلى مادة تشغيل سياسي في مسارات لا تخدم فلسطين؛ بعض هذه الأصوات، سواء انطلق من مخيمات لبنان، أو من فضاءات اللجوء في أمريكا وكندا وأوروبا، أو من ممرات التموضع في تركيا وجنوب شرق آسيا، لم يعد يقدم نفسه بوصفه صوت مدافع عن شعب محتل، بل بوصفه منصة اتهام وتخوين وتحقير بحق دول عربية شكلت، على امتداد عقود، الظهير الأكثر حضور للقضية الفلسطينية سياسياً ومالياً وشعبياً؛ وهنا تكمن المفارقة الخطيرة؛ إذ يجري استبدال خطاب الاستنهاض بخطاب التنفير، واستبدال لغة الحشد الأخلاقي بلغة التجريم الجماعي، وكأن المطلوب ليس كسب العمق العربي، بل إنهاكه وتشويه صورته ودفعه إلى التراجع النفسي عن الانخراط في معركة فلسطين.

في الحساب الاستخباراتي، لا تُقرأ هذه الظاهرة من ظاهرها فقط، بل من جهة المستفيد من مفاعيلها؛ ومن يتأمل مسارات هذا التحريض الرقمي، ونوعية الرسائل المتكررة، وتوقيتاتها، والدوائر التي تضخمها وتعيد تدويرها، سيجد نفسه أمام مشهد شديد الوضوح؛ هناك غرفة مصالح كبرى تعمل على تجريد القضية الفلسطينية من بعدها العربي الجامع، وإعادة قولبتها بوصفها أداة اشتباك إقليمي تُستخدم ضد الأنظمة العربية الوطنية، لا ضد الاحتلال وحده.

وفي قلب هذه الغرفة يبرز فاعلان رئيسيان؛ الأول هو الذباب الإلكتروني المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين، الذي أتقن على مدى سنوات هندسة العداء الرمزي مع الدولة العربية، مستثمراً كل أزمة فلسطينية لإشعال منصات الكراهية ضد الأردن والخليج ومصر، وتحويل المأساة الفلسطينية إلى ذريعة لتصفية الحساب مع بنى الاستقرار العربي؛ أما الفاعل الثاني فهو الشبكات الدعائية والأمنية المرتبطة بإيران، التي لا تنظر إلى فلسطين من زاوية التحرر الوطني، بل من زاوية الاستثمار الجيوسياسي؛ فطهران لا تتعامل مع القضية باعتبارها أمانة تاريخية، بل باعتبارها بطاقة عبور إلى المجال العربي، ولا ترى في الدم الفلسطيني سوى مادة قابلة للتسييل في بورصة النفوذ والمساومة.

وهنا ينبغي التوقف عند نقطة بالغة الحساسية؛ حين يتحول بعض الفلسطينيين، عن قصد أو عن استغفال، إلى مضخمات صوت لهذه الأجندات، فإنهم لا يخطئون في التقدير فقط، بل ينخرطون في عملية تقويض ناعم للمصالح العليا لشعبهم؛ ذلك أن الدولة العربية التي تتعرض يومياً لحملات تحريض وشتيمة وتخوين منسقة، لا يمكن عزل رأيها العام عن التأثر التراكمي بهذه الحملات، ولا يمكن افتراض أن الحاضنة الشعبية ستبقى على منسوبها ذاته من التفاعل العاطفي والدعم السياسي في ظل خطاب فلسطيني يبادلها الجحود بالخصومة؛ الأخطر أن هذا الانزلاق يمنح الاحتلال الصهيوني الذخيرة المثالية لتفكيك صورتها، وإعادة تقديمها كمنصة فوضى، أو كعبء أمني وإعلامي وأخلاقي، لا كقضية تحرر عادلة.

من هنا فإن المسؤولية لا تقع على الأفراد وحدهم، وإن كانوا يتحملون قسط معتبر منها، بل تمتد إلى البنى التنظيمية الفلسطينية التي أكلت إدام قضيتها، بتواطئها أو عجزها، بتحول المشهد الرقمي الفلسطيني إلى ما يشبه كتائب تشهير عابرة للحدود؛ كما تمتد إلى الرعاة الإقليميين الذين صادروا القرار المعنوي للقضية، وحولوها إلى راية مستأجرة في مواكب نفوذهم، ثم إلى كل من قبل أن يبيع الجرح الفلسطيني في أسواق المشاهدات والاصطفافات والتكسب السياسي.

الحقيقة القاسية أن أخطر ما يواجه القضية الفلسطينية اليوم ليس فقط وحشية الاحتلال، بل أيضاً هذا المسار الذي يعمل على سلخها عن محيطها العربي، وإعادة تدويرها داخل مصانع التحريض التابعة للإخوان وأدوات إيران؛ فحين تُختطف فلسطين من أهلها لتصبح سلعة بيد تجار الشعارات، فإنها تخسر مرتين؛ مرة حين يُسفك دم أبنائها، ومرة حين يُستثمر هذا الدم في مشاريع لا تريد تحريرها بل إبقاءها جرح مفتوح يدر الأرباح السياسية على المتاجرين به؛ لهذا، فإن استعادة المعنى الحقيقي لفلسطين تبدأ من تجفيف هذا المستنقع؛ تبدأ من إعادة الاعتبار للخطاب المسؤول، وللتمييز الصارم بين النقد السياسي وبين العدوان الدعائي على الدول العربية، وبين مناصرة فلسطين وبين تحويلها إلى مطية لمشروع إخواني مأزوم أو لوظيفة إيرانية ملوثة بالاستبداد والتوسع.

فالقضية الفلسطينية لا تحتاج إلى أبواق تعبث باسمها، بل إلى عقول تحميها من أبنائها الزائفين قبل أعدائها المعلنين؛ ومن يهاجم الأردن والخليج ومصر وسوريا الجديدة باسم فلسطين لا يوسع جبهة الدفاع عنها، بل يضيقها، ولا يرفع رايتها، بل يلوثها، ولا يخدم شعبها، بل يضعه، من حيث يدري أو لا يدري، في خدمة مشاريع لا ترى في فلسطين إلا منصة استعمال، ولا في الفلسطيني إلا مادة تعبئة مؤقتة في حرب النفوذ الكبرى.

مدار الساعة ـ