أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين أحزاب مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

العدوان يكتب: بين اختراق الداخل وضغط الخارج.. أيهما أخطر على الدولة العربية، المشروع الإيراني أم الصهيوني؟


الدكتور علي فواز العدوان

العدوان يكتب: بين اختراق الداخل وضغط الخارج.. أيهما أخطر على الدولة العربية، المشروع الإيراني أم الصهيوني؟

مدار الساعة ـ

في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، لم يعد السؤال العربي يدور حول وجود التهديدات من عدمه، بل حول طبيعة الخطر الأكثر تأثيرًا على بقاء الدولة الوطنية العربية وقدرتها على حماية قرارها السيادي. وبين المشروع الإيراني الذي يتسلل عبر الفواعل المسلحة والأحزاب العقائدية، والمشروع الصهيوني الذي يتحرك بمنطق التفوق العسكري وفرض الوقائع الجيوسياسية، تبدو المنطقة أمام نموذجين مختلفين من التمدد، لكنهما يلتقيان عند استنزاف المجال العربي سياسيًا وأمنيًا واستراتيجيًا.

المشروع الإيراني بنى حضوره الإقليمي على فكرة النفاذ إلى بنية الدولة من الداخل. لم يعتمد فقط على أدوات الدبلوماسية أو العلاقات الرسمية، بل أسس لنفوذه عبر قوى ما دون الدولة: ميليشيات، أحزاب مرتبطة عقائديًا، شبكات اقتصادية وأمنية موازية، وخطاب أيديولوجي عابر للحدود. هذا النمط أتاح له تحويل بعض الساحات العربية إلى مسارح نفوذ مباشر، حيث تصبح مؤسسات الدولة قائمة شكليًا، فيما تتوزع السلطة الفعلية بين مراكز قوى مسلحة تمتلك قرار الحرب والسلم، وتعيد تعريف الأولويات الوطنية وفق حسابات إقليمية لا محلية.

خطورة هذا النموذج لا تكمن فقط في البعد الأمني، بل في إعادة تشكيل مفهوم الدولة نفسه. فعندما تتقدم شرعية السلاح الحزبي على شرعية المؤسسة، ويتحول الانتماء العقائدي إلى مرجعية تتجاوز الهوية الوطنية، تصبح الدولة معرضة لتآكل بطيء من الداخل. وهنا تكمن حساسية الخطر الإيراني؛ فهو لا يضغط على الحدود بقدر ما يعمل على إعادة هندسة الداخل السياسي والاجتماعي والأمني بما يسمح بإنتاج دول هجينة، ظاهرها السيادة وباطنها تعدد الولاءات.

في المقابل، يتحرك المشروع الصهيوني ضمن منطق السيطرة الخارجية طويلة المدى. صحيح أن إسرائيل ترتبط باتفاقيات سلام مع عدد من الدول العربية، وأن هذا الإطار خفف من احتمالات الصدام العسكري المباشر مع بعض العواصم، إلا أن ذلك لا ينفي أن جوهر المشروع ما يزال قائمًا على فرض تفوق استراتيجي دائم يعيد صياغة البيئة الإقليمية بما يخدم مصالحه الأمنية والسياسية. فالأداة هنا ليست الميليشيا، بل التفوق العسكري، والتكنولوجيا، والنفوذ الدولي، وإدارة ملفات الحدود والمياه والطاقة والمجال الجوي.

ومن هنا، فإن خطورة المشروع الصهيوني تتمثل في أنه يضغط على المجال العربي من الخارج: يفرض خرائط ردع جديدة، ويعيد ترتيب الأولويات الإقليمية، ويستثمر في اختلال موازين القوة بما يجعل الأمن العربي جزءًا من منظومة توازنات تُدار خارج الإرادة العربية الجامعة. إنه تهديد لا يفتت بنية الدولة من الداخل كما يفعل المشروع الإيراني، لكنه يسعى إلى إعادة تعريف موقع الدولة العربية داخل النظام الإقليمي.

المقارنة الموضوعية بين المشروعين تقود إلى نتيجة واضحة:

الخطر الإيراني أكثر تأثيرًا على تماسك الدولة الوطنية من الداخل، بينما الخطر الصهيوني أكثر عمقًا في إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية والأمن الاستراتيجي العربي من الخارج.

وبالتالي، فإن الإشكالية العربية الحقيقية لا تكمن في أيهما أخطر بشكل مطلق، بل في أن الخطرين يعملان في اتجاهين متكاملين لاستنزاف المجال العربي؛ أحدهما يفتح ثغرات في الجدار الداخلي للدولة، والآخر يضغط على أسوارها وحدودها وقرارها الإقليمي.

إن أخطر ما يواجه العرب اليوم ليس مجرد تمدد مشروع هنا أو هناك، بل غياب مشروع عربي جامع يعيد تعريف الأمن القومي على أساس حماية الداخل من الاختراق، والخارج من فرض الوقائع. فحين يغيب المشروع العربي، يصبح الداخل قابلًا للاختراق، والخارج مفتوحًا لإعادة الرسم.

المعادلة الحاسمة اليوم: من لا يحصّن الدولة من الداخل، لن يستطيع حماية حدودها من الخارج.

مدار الساعة ـ