أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الشياب يكتب: هندسة الاستقرار من خلف الكواليس.. المركزي الأردني يحمي الاقتصاد بصمتٍ محسوب


رائف الشياب
صحفي اقتصادي

الشياب يكتب: هندسة الاستقرار من خلف الكواليس.. المركزي الأردني يحمي الاقتصاد بصمتٍ محسوب

رائف الشياب
رائف الشياب
صحفي اقتصادي
مدار الساعة ـ

في توقيتٍ إقليمي يتسم بارتفاع درجة عدم اليقين، اختار البنك المركزي الأردني أن يتحرك بهدوءٍ محسوب، وبأدواتٍ دقيقة تعكس فهمًا عميقًا لديناميكيات السوق ومكامن الهشاشة المحتملة في الاقتصاد. فالحزمة الأخيرة من الإجراءات الاحترازية، التي بلغت قيمتها نحو 760 مليون دينار، لم تكن مجرد استجابة آنية، بل تمثل نموذجًا لسياسة نقدية تعمل بصمت، وتُدار من “مطبخ” مؤسسي تُحضَّر فيه القرارات على نار هادئة، بعيدًا عن ضجيج الأسواق، ولكن بأثرٍ يصل إلى عمقها.

في جوهر هذه الحزمة، يظهر التركيز على السيولة بوصفها شريان الحركة الاقتصادية. إعادة ضخ ما يقارب 700 مليون دينار في السوق النقدي، عبر خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي، ليست خطوة تقنية فحسب، بل هي أشبه بإعادة ضبط لتدفق الدم في جسد الاقتصاد، بما يضمن استمرار حيويته دون اختناقات. كما أن خفض رصيد شهادات الإيداع من 550 مليون إلى 150 مليون دينار يعكس قدرة على إدارة مفاتيح السيولة بدقة، فتحًا وإغلاقًا، وفق إيقاع محسوب لا يربك السوق.

هذه المقاربة تكشف عن مدرسة نقدية تميل إلى التحكم الذكي بالسيولة بدل الصدمات المفاجئة، أي استخدام أدوات دقيقة تُوجّه السوق دون أن تصدمه. إنها سياسة تشبه من يقود سفينة في بحر متقلب؛ لا يغيّر الاتجاه بعنف، بل يعدّل المسار بدرجات صغيرة، لكن في التوقيت الحاسم.

وفي موازاة ذلك، لم يغفل المركزي البعد القطاعي، حيث جاءت التسهيلات الموجهة لدعم قطاع السياحة كشبكة أمان لقطاع سريع التأثر. فالتمويل الميسر لتغطية النفقات التشغيلية، خاصة الرواتب، يعكس إدراكًا بأن الحفاظ على استمرارية المؤسسات هو بمثابة تثبيت لأعمدة الاقتصاد، لا مجرد دعم مؤقت.

أما في جانب الأمن الغذائي، فإن تخصيص 60 مليون دينار لتمويل استيراد السلع الأساسية، مع تغطية ضمانات تصل إلى 85%، يبرز دور السياسة النقدية كخط دفاع صامت يحمي الاستقرار المعيشي، ويمنع انتقال تقلبات الخارج إلى الداخل.

وعند النظر إلى الصورة الأشمل، فإن استمرار برنامج تمويل القطاعات الاقتصادية، الذي ضخ نحو 2.7 مليار دينار منذ إطلاقه، يعكس نهجًا طويل الأمد يقوم على بناء قاعدة اقتصادية أكثر صلابة، حيث لا تُترك القطاعات لتواجه التحديات وحدها، بل تُساند بأدوات مدروسة تعزز قدرتها على الاستمرار والنمو.

ما يميز هذه التحركات مجتمعة هو أنها لا تُحدث ضجيجًا، لكنها تُعيد ترتيب الإيقاع الاقتصادي بهدوء. فالمركزي الأردني لا يلاحق العناوين، بل يعمل على تثبيت الأسس، طبقةً بعد طبقة، بحيث يصبح الاقتصاد أكثر قدرة على امتصاص الصدمات دون أن تنعكس مباشرة على المواطن أو السوق.

يمكن القول إن السياسة النقدية في الأردن تُدار بعقلية الحصافة الهادئة؛ قرارات تُصنع في الظل، لكنها ترسم ملامح الاستقرار في العلن. إنها إدارة تعرف متى تتدخل، وكيف، وبأي قدر، لتبقي الاقتصاد على مسار متوازن، حتى في أكثر اللحظات الإقليمية تعقيدًا.

"فشكرًا للربّان، وطاقم سفينة السياسة النقدية، الذين يديرون المسار بثباتٍ وحكمة، ويُبقون الاقتصاد على توازنه، مهما اشتدّت أمواج الإقليم وتقلبت الرياح".

مدار الساعة ـ