أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الكردي تكتب: حين يصبح التقاعد مخاطرة لا أماناً


جوان الكردي

الكردي تكتب: حين يصبح التقاعد مخاطرة لا أماناً

مدار الساعة ـ

لم يعد النقاش حول الضمان الاجتماعي في الأردن وقانونه مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل أصبح مواجهة صريحة مع أسئلة تمس حاضر الناس ومستقبلهم. فالمشكلة لم تعد في تفاصيل القانون فقط، بل في نتائجه المتوقعة، وفي الصورة التي يرسمها لمستقبل المواطن بعد عقود من العمل.

ومع التعمق في التعديلات المقترحة على القانون، تنكشف سلبيات أشد قسوة، تتعلق، ليس فقط بما يدفعه المواطن اليوم، وإنما بما سيحصل عليه غدا، إن حصّل..

راتب تقاعدي لا يوازي الحياة التي نعيشها.

لعل أخطر ما يؤخذ على هذه التعديلات هو الفجوة المتوقعة بين الراتب التقاعدي وكلفة المعيشة المستقبلية.

إذا كان المتقاعد اليوم، في ظل الأسعار الحالية، يعاني في تغطية احتياجاته الأساسية، فكيف سيكون الحال بعد سنوات؟

نحن أمام معادلة مقلقة:

تضخم مستمر، ارتفاع متزايد في تكاليف الصحة والغذاء والسكن والمواصلات والتعليم، مقابل راتب تقاعدي محدود، يتآكل مع الزمن.

بمعنى آخر، التقاعد (بصيغته الحالية) لا يضمن "حياة كريمة"، بل قد يضع المتقاعد على حافة العوز.

عمر التقاعد.. هل هو واقعي؟

رفع سن التقاعد، أو التشدد في شروطه، قد يبدو منطقيا على الورق، لكنه يطرح سؤالا صريحاً على أرض الواقع:

هل كل الناس قادرون على العمل حتى هذا العمر؟

ليس كل العاملين يجلسون في مكاتب مريحة، هناك من يعملون في مهن متعبة جسديا، وهناك من تستنزفهم الحياة قبل أن يبلغوا هذا السن.

ثم السؤال الأكثر حساسية:

هل يضمن أحد أن يعيش ليجني ثمار هذا التقاعد؟

هنا يشعر كثيرون أن المعادلة قاسية: إدفع لسنوات طويلة وقد لا تتمكن من الاستفادة فعليا.

البطالة المقنّعة: ماذا بعد الاستغناء؟

في سوق عمل هش، تصبح هذه التعديلات أكثر خطورة..

فالمؤسسات الخاصة، التي تبحث عن تقليل التكاليف، قد تستغني عن الموظفين في أعمار متقدمة.

وهنا تبرز المعضلة: الموظف لم يصل بعد سن التقاعد ولا يستطيع الحصول على راتب تقاعدي كافٍ،

وسوق العمل لا يستوعبه مجددا.

فأين يذهب؟

هذه الفجوة بين "الخروج من العمل" و"الدخول في التقاعد" قد تتحول إلى مرحلة قاسية من البطالة غير المعلنة، بلا دخل كافٍ، وبلا أفقٍ واضح.

تتآكل القيمة الشرائية حتى لو استمر الدفع.

حتى في حال الاستمرار بالعمل والاشتراك، يبقى السؤال:

ما قيمة هذا الراتب بعد عشر أو عشرين سنة؟

في ظل غياب ضمانات حقيقية لربط الرواتب التقاعدية بمعدلات التضخم، تتآكل القيمة الشرائية تدريجيا،

ليتقاضى المتقاعد دخلاً لا يعكس ما دفعه، ولا يكفي ليؤمن تكاليف حياته.

العدالة الغائبة؛ المواطن يدفع وحده

كل هذه المعطيات تقود إلى شعور العامل بأنه هو الطرف الوحيد الذي يتحمل كلفة "الإصلاح":

يدفع أكثر.. ينتظر أكثر.. يحصل على أقل

بينما تبقى الأسئلة الكبرى دون إجابة:

أين دور الدولة في الحماية؟ وأين تذهب عوائد استثمارات الضمان؟ ولماذا لا تطرح حلول تشاركية بدل تحميل العبء لطرف واحد؟

مستقبل غامض بثمن باهظ..

المشكلة لم تعد فقط في تفاصيل الضمان، بل في الأفق الذي يرسمه:

تقاعد متأخر، راتب محدود، وسنوات من القلق بين العمل والتقاعد.

نحن لا نتحدث عن أرقام، بل عن حياة إنسان أفنى عمره في العمل، ليجد نفسه في النهاية أمام معادلة غير عادلة..

الضمان، الذي كان يوما وعداً بالأمان، يواجه اليوم خطر أن يصبح مجرد التزام طويل بعائد غير مضمون.

وهنا، لا يكون السؤال: كم سندفع؟

بل: هل ما ننتظره في النهاية يستحق كل هذا العمر والتعب؟

مدار الساعة ـ