أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الزبيدي تكتب: حكايا الأبطال.. ليست للأطفال من اجل ان ينموا!


عالية علي الزبيدي

الزبيدي تكتب: حكايا الأبطال.. ليست للأطفال من اجل ان ينموا!

مدار الساعة ـ

ليس التاريخ مجرد سردٍ لمواقف غابرة، ولا سير العظماء حكايات تُزجى لقطع الوقت أو تخدير الوعي، بل إن الحقيقة الكامنة خلف كل ملحمة أن البطولة لم تُكتب لتكون مسكناً للأجفان بل محرّكاً للأركان. إن الفارق بين من يسمع القصة لينام ومن يسمعها لينهض هو الفارق بين من يعيش في ظلال الأوهام ومن يصنع بيده فجر الحقيقة.

حين نروي للأطفال قصص الشجعان فإننا نغرس في خيالهم بذوراً قد تثمر يوماً، لكننا حين نرويها للرجال فإننا نضعهم أمام مرآة مسؤولياتهم. إن قصص الأبطال ليست مجرد أخبار عن زمن مضى، بل نداء يطلقه التاريخ في أذن كل متقاعس. هكذا كان الناس يتناقلون سيرة خالد بن الوليد لا ليحصوا عدد المعارك بل ليتعلموا أن عزيمة رجل قد تغيّر ميزان أمة. وهكذا كانت الأمهات تذكر لأبنائهن سيرة صلاح الدين لا بوصفها فتح مدينة بل بوصفها يقيناً بأن أمةً يمكن أن تنهض بعد طول انكسار.

إن قصص الأبطال سياط من نور تضرب ظهور المتخاذلين لتخرجهم من عتمة الركود إلى ميادين العطاء. فالبطل لا يموت ليُحكى عنه في المساء بل يموت ليبقى حياً في ضمائر من أدركوا أن الكرامة لا تُنال بالتمني بل بالنهوض من عثرات السبات. ولعل شيخاً في صحراء ليبيا مثل عمر المختار لم يكن يملك من القوة سوى إيمانه لكنه ترك للأجيال درساً يقول إن الكرامة قد تولد في قلب الصحراء وتربك إمبراطورية كاملة.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ماذا فعل أولئك الأبطال بل ماذا نفعل نحن بكل ما سمعناه عنهم. فالعالم من حولنا يموج بالتحديات والأوطان لا تُبنى بالحنين إلى الماضي ولا بالاكتفاء بسرد البطولات. إن كثيراً من الأمم تحفظ أسماء أبطالها لكنها لا تسير على خطاهم فتتحول القصص عندها إلى ذكريات جميلة لا أكثر.

إن استحضار سيرة العظماء في واقعنا ليس ترفاً ثقافياً بل ضرورة أخلاقية. حين يرى الإنسان ما يحيط بأمته من أزمات وتراجع يدرك أن الحكايات التي سمعها لم تكن لتملأ الذاكرة بل لتوقظ الإرادة. فالمجتمعات التي تكتفي بالتصفيق للماضي تبقى أسيرة الركود أما المجتمعات التي تجعل من تاريخها وقوداً لنهضتها فهي التي تصنع فصولها الجديدة.

إن الرجولة في أسمى تجلياتها هي أن يتحول الإعجاب بالأبطال إلى فعل وأن يتحول استحضار سيرهم إلى وعي بالمسؤولية. فمن يقرأ سيرة بطل ولا يهتز فيه عرق الأنفة ومن يسمع عن تضحيات السابقين ولا يشعر بوخز الضمير على قعوده فقد أخطأ فهم الحكاية كلها.

وهكذا تبقى حكايا الخلود امتحاناً للأحياء. فإذا كانت تُروى في المهد لينام الصغار فإنها في واقع الرجال دعوة مفتوحة للنهوض والعمل. هناك فقط يتضح المعنى كله فقصص الأبطال لا تُروى للأطفال كي يناموا بل تُروى للرجال كي ينهضوا.

مدار الساعة ـ