ليس كل من أخطأ التقدير يُعذر، وليس كل من رفع صوته يُحسب صاحب موقف، هناك ما هو أخطر من الجهل، هناك عمى سياسي مُتعمد، يُمارس ببرود، ويُروج له كأنه رأي، بينما هو في حقيقته طعن ناعم في خاصرة الوطن.
العمى السياسي هو ما يجعل البعض يقرأ الأحداث بعين واحدة، ويُسقط كل الوقائع التي لا تخدم روايته، هو الذي يحول التحديات إلى شماعات، والإنجازات إلى مواضع شك، ويزرع في النفوس قناعة أن هذا الوطن عاجز، بينما الحقيقة أن الأردن، رغم ضيق الجغرافيا وقسوة الإقليم، ما زال واقفاً بثبات دولة تعرف طريقها.من هم؟.. هم أولئك الذين اعتادوا الاصطفاف مع الصوت الأعلى لا مع المصلحة الوطنية، هم من يختبئون خلف شعارات براقة، لكنهم في الجوهر يضربون الثقة بين المواطن ودولته، هم تجار الأزمات، الذين لا يعيشون إلا في الفوضى، ولا يزدهر خطابهم إلا حين تتراجع المعنويات،هم أيضاً أولئك الذين يُسقطون صراعات الخارج على الداخل، فيحملون الأردن ما لا يحتمل، ويُدخلونه في معارك ليست معاركه.لماذا؟.. لأن الوعي الوطني الصلب يُفشل مشاريعهم، لأن الأردن بثباته واتزانه يقف حجر عثرة أمام كل من يريد له أن يكون ساحة مستباحة، لأن استقرار الدولة لا يخدم أصحاب الأجندات، ولا ينسجم مع منطق الفوضى الذي يقتاتون عليه، ولأن بعضهم، ببساطة، لا يرى أبعد من مصالحه الضيقة، حتى لو كان الثمن إضعاف وطنه.لكن الحقيقة التي لا يمكن القفز عنها أن الأردن دولة موقف، لم ينجر خلف الاستفزاز، ولم يساوم على سيادته، ولم يسمح أن يكون تابعاً في زمن الاصطفافات الحادة، وهذه نتيجة وعي سياسي عميق، وقيادة تعرف كيف توازن بين الثوابت والمتغيرات.الرهان اليوم ليس على إسكات الأصوات، إنما على كشفها، وتعرية من يلبس ثوب الوطنية وهو يطعنها من الخلف، فالوطن بحاجة إلى وعي يُميز، وإلى ضمير لا يساوم.في هذا المشهد، "الحياد" سقوط مُقنّع، فإما اصطفاف صريح يحمي الوطن ويُحصن قراره، أو تراخ يُشرع الأبواب لرياح العبث.والعمى السياسي، حين يتحول إلى نهج، فهو اختراق ناعم لجدار الوطن، ينخره من الداخل ويُقدم لخصومه ما عجزوا عن انتزاعه بالمواجهة.لسنا بصدد الحديث عن أزمة دائمة، لكننا نلمس هذا المشهد كلما اشتدت العواصف من حولنا، يظهر ذات النمط من الخطاب المرتبك، يتسلل مع الأزمات، يضخم الهواجس، ويعيد إنتاج الشك في لحظة يحتاج فيها الوطن إلى أعلى درجات التماسك، كأن البعض لا يتحرك إلا على إيقاع الضغط، ليربك الداخل بدل أن يعززه، وهنا التحدي الحقيقي، أن لا نسمح للأزمات بأن تعيد تدوير التشويش، وأن نحافظ على وعي ثابت لا تهزه الظروف، لأن صلابة الموقف في اللحظات الحرجة هي ما يصنع الفارق.