أميل إلى قراءة ما يحدث اليوم خارج السرديات التقليدية. ما نراه ليس مجرد تنافس اقتصادي ولا سباقاً على الاستثمار، بل إعادة تنظيم هادئة لمراكز القوة، محورها السيطرة على الممرات. هذه الممرات لم تعد بنية تحتية للنقل فحسب، بل أصبحت أداة نفوذ تُعاد من خلالها صياغة العلاقات الدولية.
في تقديري، التحول الأهم هو أن السيطرة لم تعد مرتبطة بالأرض بقدر ما هي مرتبطة بالتدفقات: من يملك القدرة على توجيه حركة التجارة والطاقة والبيانات، يملك عملياً التأثير. لذلك، كل مشروع ممر يُطرح يجب أن يُقرأ من زاوية مختلفة: ليس ماذا يضيف، بل ماذا يُلغي، ومن يعيد تموضعه على حساب من.عندما نضع ذلك في سياق المشاريع القائمة، يتضح أن مبادرات مثل مبادرة الحزام والطريق، أو الممرات المقترحة بين آسيا وأوروبا، ليست مشاريع تنموية محايدة، بل شبكات نفوذ طويلة الأمد. والأمر ذاته ينطبق على ممرات قائمة مثل قناة السويس ومضيق هرمز، التي تحولت إلى أدوات سيادية تُستخدم ضمن حسابات دقيقة تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة والأمن.ضمن هذه الصورة، لا يمكن التعامل مع الشرق الأوسط كجغرافيا عابرة. المنطقة أصبحت مركز اختبار حقيقي لهذه التحولات، لأنها تجمع بين الموقع الحاكم، ومصادر الطاقة، وتعقيدات التوازنات السياسية. وبالتالي، فإن أي إعادة رسم للممرات العالمية تمر حكماً عبرها أو تُبنى على إعادة توزيع أدوارها.بالنسبة للأردن، أرى أن التحدي ليس في موقعه بل في كيفية استثماره. الجغرافيا هنا ليست ميزة تلقائية، بل أداة تحتاج إلى إدارة. الأردن يقف في نقطة تقاطع حساسة، ما يجعله إما جزءاً فاعلاً في صياغة المسارات، أو مجرد مساحة تُمرر عبرها هذه المسارات دون تأثير حقيقي.المعيار الفاصل، من وجهة نظري، هو القدرة على التفاوض. الانخراط في مشاريع الممرات يجب أن يكون مشروطاً بتوازن المصالح، لا قائماً على الاندماج غير المشروط. لأن الارتهان لمسار واحد يعني عملياً نقل جزء من القرار السيادي إلى خارج الحدود، حتى وإن لم يظهر ذلك بشكل مباشر.الأردن يملك موقعاً يسمح له بأن يكون نقطة توازن، لا مجرد نقطة عبور. أي محاولة لتجاوزه لا تلغي أهميته، بل تخلق تعقيدات إضافية على المستوى السياسي والأمني. وهذا ما يجعل حضوره في أي معادلة إقليمية أمراً يصعب تجاوزه دون كلفة.في هذا الإطار، يمكن فهم التحركات التي يقودها جلالة الملك عبد الله الثاني كجزء من إدارة واعية لهذه المعادلة. المسألة ليست تحركاً دبلوماسياً تقليدياً، بل سعي مستمر وذكي لإدخال الأردن في قلب التوازنات، بحيث لا يكون خياراً ثانوياً في أي مشروع إقليمي.ويُحسب لجلالة الملك عبد الله الثاني أنه يتعامل مع هذه التحولات بعقلية استراتيجية تتجاوز رد الفعل إلى المبادرة مع النجاح في ترسيخ موقع الأردن كعنصر استقرار إقليمي وشريك موثوق في معادلات معقدة، مع الحفاظ على قرار سيادي متوازن. هذا النهج يعكس فهماً عميقاً لطبيعة المرحلة، حيث لا يكفي إدراك أهمية الموقع، بل يتطلب الأمر قدرة مستمرة على إعادة تعريفه بما ينسجم مع تحولات النظام الدولي.الخلاصة التي أستقر عليها هي أن "حرب الممرات" ليست مسألة بنية تحتية، بل مسألة سيادة. والدول التي لا تدير موقعها بوعي تجد نفسها جزءاً من ترتيبات تُفرض عليها. أما الدول التي تفهم موقعها وتُحسن توظيفه، فهي القادرة على التحول من ممر إلى عنصر حاكم في تحديد الاتجاهات. الأردن، في هذا السياق، يمتلك المقومات، ويبقى الرهان على كيفية توظيفها.حدادين يكتب: الأردن وحرب الممرات.. إدارة الموقع لا الخضوع له
مدار الساعة ـ