أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

قرقودة تكتب: حين تصبح الحقيقة ضحية الشاشة.. هل نحتاج رقابة على الإنترنت أم وعياً أعلى؟


تغريد جميل قرقودة

قرقودة تكتب: حين تصبح الحقيقة ضحية الشاشة.. هل نحتاج رقابة على الإنترنت أم وعياً أعلى؟

مدار الساعة ـ

في زمنٍ لم تعد فيه الحروب تُقاس بعدد الطلقات فقط، بل بعدد المنشورات، ولا بحجم الدمار فحسب، بل بحجم الذعر الذي يتسلّل إلى القلوب عبر شاشةٍ صغيرة… يصبح السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل نحن بحاجة إلى رقابة على الإنترنت، أم أننا بحاجة إلى رقابة على وعينا أولاً؟

الحرب اليوم لا تطرق الأبواب كما كانت تفعل قديماً، بل تتسلّل من خلال إشعارٍ عاجل، أو مقطعٍ مبتور، أو خبرٍ منسوبٍ لمصدرٍ مجهول. وهنا، لا يكون الخطر في الحدث ذاته، بل في تضخيمه، في إعادة صياغته بطريقةٍ تُربك العقول وتُنهك الأرواح. كم من مرةٍ شعرنا أن الخطر يحيط بنا من كل اتجاه، فقط لأن صورةً ما قُدّمت لنا خارج سياقها، أو لأن جهةً ما قررت أن الخوف أسرع انتشاراً من الحقيقة؟

من هذا المنطلق، تبدو فكرة الرقابة على الإنترنت في أوقات الأزمات ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورةً وقائية، لا لقمع الرأي، بل لحماية الوعي. فحين تتحول بعض المنصات إلى ساحات لبث السموم الفكرية، وترويج الإشاعات، وصناعة الهلع الجمعي، فإن التدخل يصبح أشبه بمحاولة إنقاذ عقولٍ من الغرق في بحرٍ من التضليل.

إن للرقابة، حين تُمارس بوعي ومسؤولية، وجهاً إيجابياً قد لا يلتفت إليه كثيرون؛ فهي قد تُسهم في تهدئة الشارع، وتمنع انتشار الأخبار الكاذبة التي تضخم حجم الكارثة، وتعيد الأمور إلى حجمها الحقيقي، بعيداً عن التهويل أو التهوين. كما أنها تشكل سداً أمام الجهات التي تستثمر في الخوف، وتبني نفوذها على قلق الناس، فتُصوّر الحرب وكأنها تقف على أعتاب كل بيت، بينما الحقيقة قد تكون أقل حدة مما يُروّج له.

لكن، ورغم كل ذلك، تبقى الرقابة سيفاً ذا حدّين… فحين تفقد توازنها، قد تتحول من وسيلة حماية إلى أداة تقييد، ومن درعٍ للوعي إلى قيدٍ على الحقيقة. وهنا تكمن الإشكالية الأعمق: ليس في وجود الرقابة، بل في طبيعتها، في حدودها، وفي الجهة التي تمارسها.

ربما الحل لا يكمن في أن نغلق النوافذ، بل في أن نعلّم الناس كيف ينظرون من خلالها دون أن يُخدعوا. فالمجتمع الواعي لا يحتاج إلى رقابة صارمة بقدر ما يحتاج إلى بصيرةٍ نقدية، تميّز بين الحقيقة والضجيج، بين الخبر والرواية، بين الواقع وما يُراد لنا أن نراه واقعاً.

وفي خضم هذا الصخب الرقمي، يبقى الإنسان هو المعادلة الأصعب… فإما أن يكون أسيراً لما يُبث إليه، أو حارساً لما يسمح له بالدخول إلى وعيه.

وهكذا، لا يكون السؤال الحقيقي: هل نفرض رقابة على الإنترنت؟

حتى نحمي الحقيقة من أن تُشوَّه، والإنسان من أن يُستلب، دون أن نخسر حريتنا في الطريق؟

مدار الساعة ـ