لم تعد المواجهة الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مجرد صراع قابل للاحتواء ضمن حدود الاشتباك التقليدي، بل تحولت إلى حالة استنزاف مفتوح تتآكل فيها قدرات الأطراف جميعاً، وتتضخم كلفتها على نحو يتجاوز الحسابات العسكرية الضيقة، ليطال البنية السياسية والاقتصادية والنفسية للدول والمجتمعات على حد سواء. ومع امتداد زمن الحرب، يتبدد وهم الحسم السريع، لتحل محله معادلة أكثر قسوة: لا أحد ينتصر، والجميع يدفع أثماناً متصاعدة.
على المستوى العسكري، لم تعد العمليات تعبيراً عن ردع محسوب، بل أصبحت سلسلة من الضربات والردود التي تستنزف الموارد وتختبر حدود التحمل. إيران، التي بنت استراتيجيتها على تعدد أدوات النفوذ، تجد نفسها أمام تحدي الحفاظ على توازن دقيق بين الرد والتصعيد، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تتجاوز قدرتها على الضبط. في المقابل، تواجه إسرائيل واقعاً أكثر تعقيداً، حيث تعدد الجبهات وتآكل الشعور بالأمن الداخلي يفرضان ضغطاً غير مسبوق، ويهزان صورة التفوق العسكري التي طالما شكلت ركيزة استراتيجيتها. أما الولايات المتحدة، فتقف في قلب معادلة شديدة الحساسية؛ فهي مطالبة بحماية حلفائها والحفاظ على حضورها الاستراتيجي، دون أن تنزلق إلى حرب واسعة قد تستنزفها وتشتت أولوياتها العالمية في لحظة تنافس دولي محتدم.لكن الكلفة لا تقف عند حدود الميدان. فاقتصادياً، تعصف هذه الحرب بأسواق الطاقة والتجارة، وتهدد أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي. إن أي اضطراب في هذه المنطقة الحيوية ينعكس فوراً على أسعار النفط، وسلاسل الإمداد، والاستقرار المالي الدولي. وهنا، لا تعود الخسارة حكراً على أطراف الصراع، بل تمتد لتطال العالم بأسره، فيما تجد الدول العربية نفسها في قلب هذا المشهد، تتحمل تداعياته الثقيلة، دون أن تكون طرفاً في صياغة مساراته.أما سياسياً، فإن الداخل في كل طرف بدأ يدفع ثمن هذه المواجهة. في إسرائيل، تتصاعد الأسئلة حول جدوى استمرار الحرب في ظل الكلفة البشرية والاقتصادية، وفي إيران تتفاقم التحديات المرتبطة بالوضع الاقتصادي والضغوط المجتمعية، بينما تواجه الإدارة الأمريكية انقساماً داخلياً متزايداً حول حدود الانخراط في هذا الصراع. هذه التصدعات الداخلية لا تُضعف فقط القدرة على الحسم، بل تدفع أحياناً نحو مزيد من التصعيد، في محاولة لتعويض العجز الداخلي بإظهار القوة الخارجية.وفي الأفق الأوسع، يتعمق خطر الانزلاق إلى فوضى إقليمية مفتوحة، حيث تتداخل الساحات، وتتعدد الفواعل، وتغيب القدرة على السيطرة على مسار الأحداث. ومع كل جولة تصعيد، تقترب المنطقة من حافة انفجار يصعب احتواؤه، وقد تتجاوز تداعياته حدود الإقليم لتطال النظام الدولي بأسره. وهنا، تتبدى الحقيقة الأكثر وضوحاً: أن استمرار هذه الحرب لم يعد خياراً استراتيجياً رشيداً لأي طرف، بل بات عبئاً ثقيلاً يهدد الجميع.وفي خضم هذه المعادلة المعقدة، يبرز أفق مختلف، عنوانه أن الخروج من الحرب لم يعد هزيمة، بل ضرورة عقلانية. وهنا تحديداً يبرز دور قوى إقليمية وإسلامية وازنة، وفي مقدمتها تركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية، في اجتراح مبادرة سياسية جادة، لا تقوم على منطق الغلبة والانكسار، بل على إعادة تعريف “الانتصار” ذاته، بوصفه القدرة على وقف النزيف، لا تعميقه.فتركيا، بما تملكه من حضور جيوسياسي وقدرة على التواصل مع أطراف متباعدة، تستطيع أن تؤدي دور الجسر السياسي الذي يفتح قنوات الحوار ويكسر الجمود. وباكستان، برصيدها المعنوي في العالم الإسلامي، قادرة على إضفاء بعد جامع يخفف من حدة الاستقطاب ويعيد توجيه البوصلة نحو مصالح الأمة الأوسع. أما المملكة العربية السعودية، بثقلها العربي والإسلامي والدولي، فهي مؤهلة لرعاية مسار تفاوضي يمنح المبادرة صدقية وقبولاً إقليمياً ودولياً، ويحوّلها من فكرة إلى مسار قابل للتنفيذ.إن جوهر أي مبادرة ناجحة لا يكمن فقط في وقف إطلاق النار، بل في صياغة مخرج متوازن يسمح لكل طرف أن يخرج دون انهيار كامل، ودون انتصار يدفعه إلى جولة أكثر شراسة. فالحروب الكبرى لا تنتهي دائماً بانتصارات عسكرية حاسمة، بل كثيراً ما تُحسم بتسويات ذكية تحفظ الحد الأدنى من مصالح الجميع، وتؤسس لتوازن جديد أكثر استقراراً.ومن هنا، فإن المبادرة المطلوبة ينبغي أن تقوم على وقف متزامن للتصعيد، وفتح قنوات اتصال مرحلية، وتقديم ضمانات متبادلة تتعلق بأمن الإقليم وعدم توسيع دائرة النار، وربط التهدئة بمسار سياسي يعالج جذور التوتر، لا مظاهره فقط. فالأمن الحقيقي لا يُبنى عبر إقصاء طرف رئيسي أو فرض الهيمنة المطلقة، بل عبر تفاهمات واقعية تفرضها كلفة الحرب نفسها.إن ما يجعل هذه اللحظة مفصلية هو أن جميع الأطراف باتت تمتلك ما يكفي من الخسائر لتدرك خطورة الاستمرار، دون أن تمتلك ما يكفي من المكاسب لتبرير ذلك الاستمرار. وهنا يتحول “الانتصار” من مفهوم عسكري ضيق إلى مفهوم سياسي أوسع، قوامه منع الأسوأ. فإيران يمكن أن ترى في التسوية تثبيتاً لمعادلة عدم الاستفراد بها، والولايات المتحدة يمكن أن تقدمها كنجاح في منع انفجار إقليمي واسع، وإسرائيل قد تجد فيها مخرجاً من استنزاف متعدد الجبهات، بينما يرى الإقليم العربي فيها فرصة لالتقاط الأنفاس ومنع انتقال النار إلى ساحات جديدة.وعليه، فإن الرهان الحقيقي لم يعد في القدرة على إدامة الصراع، بل في امتلاك الشجاعة السياسية لإنهائه. فحين تصبح كلفة الحرب أعلى من كلفة السلام، يصبح الإصرار على استمرارها مغامرة غير محسوبة، لا تنتج نصراً، بل تؤجل الهزيمة الجماعية. وربما تكون هذه اللحظة هي التي ينبغي فيها أن يرتفع صوت العقل، ليعلن أن الانتصار الحقيقي لا يكون بإسقاط الخصم، بل بمنع سقوط الجميع.الفاعوري يكتب: كلفة استمرار الحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل أصبحت عالية جداً على كل الاطراف
المهندس مروان الفاعوري
الفاعوري يكتب: كلفة استمرار الحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل أصبحت عالية جداً على كل الاطراف
مدار الساعة ـ