أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين أحزاب مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

العمرو يكتب: الوعي الأردني في مواجهة ضجيج العابرين


نضال الثبيتات العمرو

العمرو يكتب: الوعي الأردني في مواجهة ضجيج العابرين

مدار الساعة ـ

يحمل الوعي الوطني الحقيقي ملامح مختلفة عن الشعارات العابرة، إذ يتجسد في لحظة اختبار صامتة أكثر مما يظهر في مواسم الخطابة المرتفعة، وهنا تتكشف معادن الرجال، لا في وفرة الكلام، بل في دقة الموقف حين تضيق المساحات وتتقاطع المصالح؛ الأردن، الذي وُلد في النار ولم ولن يحترق، وعبر عقود متلاحقة وسط رياح إقليمية عاتية، لم يكن يوماً منفصلاً عن واقع الإقليم السياسي، بل ظل ميدان حقيقي لامتحان الثبات.

تتغير الخرائط من حولنا بوتيرة متسارعة، وتُعاد صياغة الأولويات وفق موازين قوى لا ترحم الضعفاء ولا تنتظر المترددين؛ ضمن هذا السياق، تبرز الحاجة إلى خطاب داخلي مختلف، خطاب يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة على أساس المسؤولية المتبادلة، لا على قاعدة الاستهلاك السياسي؛ فالوطن ليس فكرة مجردة، بل منظومة توازن دقيقة، وأي خلل فيها يفتح الباب أمام ارتدادات يصعب احتواؤها.

يخطئ من يظن أن استقرار الأردن معطى ثابت أو نتيجة تلقائية للزمن؛ استقرار الأردن صُنع ويُصنع، وحُفظ ويُحفظ، ودُفع ويُدفع ثمنه يومياً بصمت؛ المؤسسة، حين تعمل بكفاءة، تحتاج إلى حاضنة مجتمعية تدرك حساسية المرحلة، وتفهم أن النقد مسؤولية لا أداة هدم؛ القرار السياسي، في بيئة مضطربة، لا يُقاس بشعبيته اللحظية، بل بقدرته على حماية المسار العام من الانزلاق.

تتسع الفجوة أحياناً بين التوقعات والواقع، وهذا طبيعي في أي مجتمع حي، لكن الخطر الحقيقي يكمن في تحويل هذه الفجوة إلى منصة للتشكيك الشامل؛ هنا يظهر الفارق بين من يختلف حرصاً، ومن يعارض بدافع الهدم، الأول يضيف، والثاني يستهلك.

تاريخ الدولة الأردنية لم يُكتب بالصدفة، بل بتراكم قرارات دقيقة في لحظات مفصلية؛ كل مرحلة حملت تحدياتها، وكل جيل واجه اختباره الخاص؛ الجيل الحالي يقف أمام اختبار لا يقل صعوبة، حيث تتشابك الملفات الاقتصادية مع الضغوط السياسية، وتتصاعد الحاجة إلى وعي جمعي يتجاوز ردود الفعل السريعة نحو فهم أعمق لمعادلة البقاء.

الرهان اليوم ليس على الشعارات، بل على القدرة على قراءة المشهد كما هو، دون تزييف أو تهويل؛ وطن بهذا الموقع، وبهذه التركيبة، لا يحتمل المغامرات، ولا يملك رفاهية الخطأ المتكرر؛ من يدرك ذلك يتصرف وفقه، ومن يتجاهله يدفع الثمن ولو بعد حين؛ اللحظة الراهنة تفرض وضوحاً لا لبس فيه، إما انحياز صادق لمسار الدولة، أو انجراف خلف ضجيج عابر لا يصنع مستقبل؛ هكذا تُختبر الأوطان، وهكذا تُعرف قيمة الرجال.

مدار الساعة ـ