أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

العشي يكتب: حين تُستهدف العقول.. من يحرس وعي الأردنيين؟


الدكتور محمد العشي

العشي يكتب: حين تُستهدف العقول.. من يحرس وعي الأردنيين؟

مدار الساعة ـ

في ليالي البرد القارس، يقف جندي أردني على ثغرٍ من ثغور الوطن، يحدق في العتمة ليحرس حدودنا من أي اختراق، ويضع روحه على كفه لضمان استقرار هذا البلد. وفي اللحظة ذاتها، يجلس أحدهم في غرفته الدافئة، وبضغطة زر واحدة عبر شاشته المضيئة، يمرر شائعة أو خبرًا مجهول المصدر، لتصل إلى عدد كبير من الناس خلال لحظات، فتثير القلق وتُربك المشهد العام.

هذا التناقض المفزع يأخذنا إلى سؤال المرحلة: ما نفع السلاح الذي يحرس الحدود، إذا لم نحصّن وعينا في الداخل كما نحمي حدودنا؟

لقد تغيرت أشكال الحروب، ولم تعد تقتصر على المدافع والخنادق والحدود الجغرافية. الساحة اليوم هي شاشات الهواتف التي نحملها في جيوبنا، والسلاح الأشد تأثيرًا لم يعد الرصاصة، بل الكلمة غير المسؤولة، والصورة المجتزأة، والتسجيل الصوتي المجهول الذي يُراد به باطل.

وفي واقعنا القريب، كم من إشاعة انتشرت خلال دقائق، وأحدثت بلبلة قبل أن يتبين لاحقًا عدم دقتها أو خروجها عن سياقها الحقيقي. في خضم الأحداث المتسارعة والظروف الإقليمية الدقيقة التي تعصف بالمنطقة، نرى كيف تتزايد الشائعات وتنتشر بسرعة لافتة. وهذا الاستهداف الممنهج لوعي الأردنيين ليس صدفة؛ بل هو محاولة بائسة لاختراق جبهتنا الداخلية، وضريبة ندفعها ثمنًا لمواقف الأردن الراسخة والثابتة تجاه قضايا أمته. فحين تعجز الغرف السوداء عن كسر إرادة الدولة ومؤسساتها، توجه سهامها نحو ثقة المواطن بيقينه ووطنه.

البعض يمرر هذه الشائعات بحسن نية وجهل، والبعض الآخر يركض خلف وهم الأسبقية وسباق الحضور الافتراضي، متناسياً أن السبق الصحفي أو ما يُعرف بـ "التريند" لا قيمة حقيقية له إذا كان ثمنه إثارة القلق، أو التشكيك في ثوابت الدولة، أو التأثير على معنويات المجتمع.

إن الأجهزة الأمنية؛ من قوات مسلحة، وأمن عام، ومخابرات، وحرس حدود، تقوم بواجبها التاريخي واليومي في صد الأخطار المادية وحماية السياج الوطني. لكن هناك جبهة أخرى، صامتة وخطيرة، لا يمكن للعسكر وحدهم حمايتها؛ إنها جبهة الوعي.

حارس هذه الجبهة هو كل فرد في هذا المجتمع يمتلك هاتفًا متصلًا بالإنترنت.

قبل أن تضغط على زر "مشاركة" أو "إرسال"، يجب أن تدرك أنك تقف على ثغر إلكتروني لا يقل أهمية عن الثغور الجغرافية. الكلمة التي تنقلها دون تثبت، قد تنعكس سلبًا على استقرار المجتمع، أو تُربك المشهد العام، أو تفتح بابًا لتأويلات لا تخدم المصلحة الوطنية.

الوطنية اليوم تجاوزت حدود الشعارات؛ الوطنية اليوم هي وعي نمارسه في كل لحظة. هي القدرة على التثبت، وتمحيص الأخبار، والرجوع إلى مصادرها الرسمية قبل تصديقها أو نشرها.

وفي هذا السياق، يقتضي الواجب المهني والوطني أن نُزجي تحية إجلال واعتزاز لكل مواطن أردني فطن، جعل من نفسه حائط صدّ منيع أمام موجات التضليل، ولم ينجر خلف وهم "التريند". كما لا يمكننا إغفال الجهود الجبارة التي تبذلها مؤسساتنا المعنية، وعلى رأسها وحدة الجرائم الإلكترونية والإعلام الرسمي، في تتبع مصادر الفتنة وتفنيد الشائعات بالدليل القاطع، لضمان بقاء بوصلة المجتمع واضحة لا تشوبها شائبة.

إن المعركة مع الشائعة لا تُحسم فقط بالرد والتفنيد، بل بـ 'سرعة تدفق المعلومة'. فالشائعة لا تنمو إلا في مساحات الفراغ والانتظار، وكلما كانت مؤسساتنا أسرع في المكاشفة والشفافية، ضاقت الخناق على الغرف المظلمة. يترافق ذلك مع ضرورة وطنية ملحة لترسيخ مفهوم 'التربية الإعلامية والرقمية' في مناهجنا وبيوتنا، لنبني جيلاً يمتلك حصانة ذاتية، وقادراً على فرز الغث من السمين في عالمٍ تزدحم فيه الأجندات.

إذا كان الجندي يحرس الأرض بدمه، فإن واجبنا الأخلاقي أن نحرس العقول بوعينا. فالأوطان المستقرة لا تُهدد من الخارج فقط، بل قد تتأثر من الداخل حين يغيب الوعي وتُستسهل الكلمة.

لنجعل من كل هاتف في أيدينا أداة للبناء لا وسيلة للفوضى، ولنكن جميعًا خط الدفاع الأول في حماية هذه الجبهة التي لا تُرى.

فالأردن الذي عَبَرَ أعتى الأزمات بحكمة قيادته الهاشمية ووعي شعبه، لن تهزه زوابع الفضاء الافتراضي، ولن تكسره حروب الشاشات. سيبقى هذا الحمى عصياً على كل محاولات الاختراق، طالما أن المواطن الأردني يدرك أن عقله هو خط الدفاع الأخير، وأن ثقته بوطنه هي الصخرة التي تتكسر عليها كل الشائعات. حمى الله الأردن، قيادةً وجيشاً وشعباً، وأدام علينا نعمة الأمن والبصيرة.

مدار الساعة ـ