أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الجريري يكتب: الاضطراب النفسي.. صمتٌ يُثقل الأسرة ويُربك المجتمع


المحامي صالح الجريري

الجريري يكتب: الاضطراب النفسي.. صمتٌ يُثقل الأسرة ويُربك المجتمع

مدار الساعة ـ

لم يعد الاضطراب النفسي قضية فردية تُحاصر صاحبها في زوايا الخفاء، بل تحوّل إلى حالة إنسانية مركّبة تمتد آثارها إلى الأسرة وتنعكس بوضوح على استقرار المجتمع، وفي زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتعاظم فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، أصبح الإنسان أكثر عرضة للاهتزاز الداخلي، ما يجعل من الصحة النفسية مسألة مركزية لا يمكن تجاهلها أو تأجيلها.

حين يختل التوازن النفسي لدى الفرد، لا يبقى ذلك محصورًا في داخله، بل يتسلل بهدوء إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل الأسرة، تتغير أنماط التواصل، تتراجع مساحات التفاهم، ويحل التوتر محل الطمأنينة، في كثير من الأحيان، تجد الأسرة نفسها أمام حالة لا تُحسن التعامل معها، فتتأرجح بين التعاطف المربك والضغط غير المقصود، ما يزيد من تعقيد المشهد ويعمّق الفجوة بين أفرادها.

ومع اتساع الدائرة، يظهر أثر هذا الاضطراب في المجتمع ككل، حيث تنعكس الحالة النفسية للأفراد على سلوكهم العام، في العمل، وفي الشارع، وفي علاقاتهم الاجتماعية، تتراجع الإنتاجية، وتزداد حدة التوتر، ويضعف الإحساس بالانتماء، فيتحول الخلل الفردي إلى عبء جماعي يؤثر في استقرار المجتمع وتماسكه، وما يزيد من خطورة ذلك هو استمرار الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالصحة النفسية، والتي تدفع الكثيرين إلى الصمت والإنكار بدل السعي نحو العلاج والدعم.

إن فهم هذه الظاهرة لا يكتمل دون التعمق في أسبابها، فهي نتاج تراكمي لعوامل متعددة، من ضغوط الحياة اليومية، إلى التحولات الرقمية التي فرضت أنماطًا جديدة من العزلة، مرورًا بضعف الروابط الاجتماعية وغياب الوعي النفسي في البيئات التربوية، هذه العوامل، حين تتقاطع، تخلق بيئة هشّة تجعل الفرد أكثر عرضة للاضطراب وأقل قدرة على التكيف.

المعالجة الحقيقية لا تكون بردود فعل مؤقتة، بل عبر نهج متكامل يعيد الاعتبار للصحة النفسية كجزء أصيل من منظومة الحياة، يبدأ ذلك من داخل الأسرة، بتعزيز ثقافة الاحتواء والفهم، ويمتد إلى المدرسة والمؤسسات، وصولًا إلى السياسات العامة التي يجب أن تدمج الدعم النفسي ضمن أولوياتها، كما أن للإعلام دورًا محوريًا في كسر حاجز الصمت وإعادة تشكيل الوعي المجتمعي بطريقة أكثر إنسانية وواقعية.

الاضطراب النفسي ليس علامة ضعف، بل نداء يحتاج إلى استجابة واعية ومسؤولة، وبين أسرة تدرك، ومجتمع يتفهم، ومؤسسات تدعم، يمكن تحويل هذا التحدي إلى مساحة للتعافي والنمو،، فحين نحسن الإصغاء لما يدور في داخل الإنسان، نكون قد وضعنا أول حجر في بناء مجتمع أكثر توازنًا وصلابة.

مدار الساعة ـ