أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الشورة يكتب: فلسفة الظلم والعقاب


د. صالح علي الشورة

الشورة يكتب: فلسفة الظلم والعقاب

مدار الساعة ـ

قال ابن خلدون (الظلم مؤذن بخراب العمران) ونحن في عصرنا هذا شهود على محطات كبرى من الظلم بين بني الإنسان. فتشهد الدنيا موجة كبرى من العنف والعدوانية والكراهية سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الدول، وهي ليست حالة فريدة منقطعة في التاريخ البشري بل امتداد لما هو عليه.

وتبرز هذه الكراهية من خلال تغليب المصالح الشخصية للأفراد والجماعات ومحاولة الحصول عليها وامتلاكها بغض النظر عن السبيل والمسلك. بل تجدها في بعض الأوقات لا تقوم على سبب محدد بل تشكل تعبيرًا عن حالة إنسانية شاذة (تكره لأجل الكره ذاته). فتتخذ أشكالًا متعددة ومختلفة في الأداء ولكنها متشابهة في النتائج. وما الحرب الدائرة الآن في الشرق الأوسط إلا دليل مباشر على ما قصدت. تبرز على السطح صورة قاتمة تُلقي بظلالها على مستقبل البشرية، ليس فقط على تدمير ما صنع الإنسان من حضارة أو أوجد وعمّر من مدن بل ما ستتركه الحرب من شرخ عميق في نفس الإنسانية ذاتها بشكل عام.
لذا تقع على عاتق الإنسان، أينما كان، وكيفما كان، مسؤولية هامة تجاه ما يجري من أحداث خاصة وأن الإنسان ذاته هو الفاعل والجاني، كما أنه المفعول به والضحية.
يقدم مشهد الظلم والحروب التي تندلع هنا وهناك حالة فحص لهوية الإنسان الإنسانية، واختبار لمكامن ضعفه وقوته ورغباته أيضًا، لأن الأصل فيه أنه كائن عاقل خلوق فلا بد أن تصدر عنه ممارسات وسلوكيات تنمي عن ذلك. أما إذا انخفض المعيار ورفع عنه العقل والأخلاق فلا بد من تفكيك الحالة التي ترتبط ببني البشر وإعادة النظر في تعريف من هو الإنسان؟.

يرتبط تأثر الإنسان على الأغلب بما هو عملي وليس نظريًا فيصدر عنه الخير والشر وهما فعلان إنسانيان وإن كانا يصدران عن المصدر نفسه، فإنّهما يختلفان تأثيرًا ومفعولا. فمنذ شق الله تعالى وجه آدم من أديم هذه الأرض ثم استخلفه فيها فقد اقتفى بني البشر درب الشر الذي سلكه بنيه وتحديدًا قابيل الظالم في عدوانه على أخيه هابيل المظلوم. وهنا كان الامتحان فالتحذير للإنسان هو الأمر بضبط ما استودعه الله فيه من الشرور وإلا كيف سيحاسبه ويعاقبه. لذا كان الأصل في العذاب هو الإمهال حتى يظن الإنسان بأن لا راد لشره ولا مانع لقهره لأخيه الإنسان. وهذا كله تحت عين الله وحكمه ولكنه يُمهل الظالم حتى تأخذه العزة بالإثم ويظن مَن حَوله أنه تمكّن وبلغ أسباب القوة فلا راد لظلمه. فهنا تتدخل المشيئة الإلهية حيث يكون قد استنفذ البشر فرص العودة إلى إنسانيتهم. وإذا ما استعرضنا كيف أخذ الله سبحانه الظالمين بظلمهم فإن المفاجأة تكون في التوقيت. فقد أهلك الله الظالمين وهم في أوج قوتهم. وهذا ينطبق على الطغاة، جميع الطغاة، أفرادًا وجماعات الذين أخذوا وهم في ذروة طغيانهم وجبروتهم. وقد أكد التوقيت بأن تركه لهم كان مبنيًا على الإملاء وليس الإهمال. كما أن الإملاء أتى هنا لئلا يظن من يستأخر وقوع العقاب أن تأخر الحساب والعذاب إشارة على عدم وقوعه. بل سيقع وسيكون شديدًا. وقد قال تعالى: ( الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ). وإذا ما استعرضنا بعض الصور التي وردت في القرآن الكريم والتي تعلقت بظلم الإنسان وجبروته ستدهشنا الصور والنتائج. حيث تتجلى في التوقيت كما هو حال الدول المتصارعة اليوم. فحين أهلك الله النمرود لم يهلكه وهو ضعيف بل أهلكه وهو في قمّة جبروته، ويظن في نفسه أنه إله ويكافئ الله في خلق الموت والحياة: (قال أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ). كما أنه سبحانه حينما أهلكَ فرعون، لم يهلكه وهو يتمادى ويستكبر، ويلقي بأيات موسى عليه السلام خلف ظهره، أو تسبب الله في هزيمته في معاركه الكثيرة التي خاضها مع زعامات زمانه، أو حينما تناظر موسى مع سحرته، أو أنه سلبه ملكه فألقاه ضعيفًا فتخلى عنه قومه فحق عليه القول، بل باغته بالعذاب وهو يتحدى ويزبد ويرعد ويدعي ويقول: (أنا ربكم الأعلى). كما أن الخالق سبحانه أهلك قوم عاد وهم يظنون بأنهم بلغوا أسباب القوة وتمترسوا على ذروتها وقالوا. (من أشدُّ منّا قوَّة) وهكذا قوم ثمود وغيرهم من الجبابرة الذين ملؤوا الأرض جورًا وظلمًا. وبالإضافة إلى ذلك فقد ارتبط التوقيت الزمني للعذاب ببزوغ الشمس وبداية النهار وكأنها إشارة إلى تبدل الأحوال والعهود، حيث دخل القوم في مرحلة بشكل، ولكنهم خرجوا منها بشكل آخر. فأفل نجمهم وسطع نجم غيرهم فقال تعالى: (إن موعدهم الصبحُ أليس الصبحُ بقريب)

إذا، ظل السمت الإلهي يحافظ على التعامل مع قضيتين. الأولى هي انتشار الظلم وذلك بغض النظر عن أشكاله، والثانية هي النتيجة والعقاب. فقد قال تعالى (وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ). وهذا يؤكد الفسلفة القائمة على معادلة (إذا انتشرت الرذيلة حل العقاب) وأي أعظم من رذيلة الظلم.

إذا ناقشنا الإنسان على إطلاقه فهو (ظلومًا جهولًا) فهو من ينسج أسباب هلاكه بيديه، ويسير إلى حتفه بقدميه. وعود على بدء فإن الشر الذي يحمله الإنسان دون أن يلجمه، بل ويطلق له العنان بما توفر له من أدوات سواء كانت إنسانية عامة أو دينية أو ثقافية أو غير ذلك هو الدافع الذي يزيله ويمحق ظلمه وهو ما تكفل به الله سبحانه.

مدار الساعة ـ