أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الحسبان يكتب: من الأخطر: المشروع الإيراني أم المشروع الصهيوني؟


فهد الحسبان

الحسبان يكتب: من الأخطر: المشروع الإيراني أم المشروع الصهيوني؟

مدار الساعة ـ

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يتحول السؤال الشعبي إلى فخ سياسي: من الأخطر؟ المشروع الإيراني أم المشروع الصهيوني؟ وكأن المنطقة مطالبة بالاصطفاف خلف أحد التهديدين باعتباره “أهون الشرّين”. لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا مواربة: كلا المشروعين وجهان لصراع نفوذ لا يرى في دول المنطقة إلا ساحاتٍ مفتوحة، ولا في شعوبها إلا أوراق ضغط.

المشروع الصهيوني، منذ نشأته، قام على فكرة التوسع وتكريس واقع القوة، وفرض معادلات أمنية تتجاوز حدوده الجغرافية، مستندًا إلى تفوق عسكري ودعم دولي مكّنه من فرض إرادته في الإقليم. في المقابل، لم يأتِ المشروع الإيراني بوصفه مشروع تحرر كما حاول تسويق نفسه، بل كمنظومة تمدد ناعم-خشن، تُتقن إدارة الفوضى، وتعيد تشكيل الدول من الداخل عبر أدوات طائفية وسياسية وأمنية.

الخطأ الأكبر في النقاش العربي الدائر اليوم هو اختزال الصراع إلى معادلة “من مع المقاومة ومن ضدها”، بينما الواقع يكشف أن كلا المشروعين يستخدم خطاب “العدو” لتبرير توسعه.
إسرائيل تلوّح بالخطر الإيراني لتبرير سياساتها، وإيران ترفع راية “مواجهة إسرائيل” لتبرير تمددها. وفي المنتصف، تُستنزف الدول العربية، وتُنهك مجتمعاتها.

الأخطر اليوم ليس فقط في طبيعة المشروعين، بل في تقاطعاتهما غير المباشرة. فكلما تصاعد التوتر بينهما، توسّعت مساحات الفراغ في الإقليم، وكلما تمددت هذه المساحات، زادت قدرة الطرفين على إعادة رسم قواعد الاشتباك على حساب الدول المستقرة. وهنا تحديدًا تكمن المعضلة الأردنية.

ما جرى مؤخرًا من تصعيد سياسي، عبر لجوء إيران إلى تقديم شكوى في الأمم المتحدة ضد الأردن، لا يمكن قراءته كخطوة قانونية بحتة، بل كجزء من لعبة ضغط استراتيجية متعددة الأدوات. فإيران تدرك أن الأردن ليس ساحة رخوة، بل دولة توازنات، ولذلك تنتقل من أدوات الميدان إلى أدوات القانون الدولي والإعلام، محاولة إعادة تعريف موقع الأردن في الصراع.

لكن الأخطر من ذلك، هو الانتقال إلى مستوى التهديد المباشر، عبر الحديث عن استهداف بنى تحتية حيوية مثل محطتي الكهرباء في السمراء والعقبة. هنا لم يعد الأمر يتعلق برسائل سياسية، بل بمحاولة ضرب عصب الدولة: الطاقة، الاستقرار، والحياة اليومية للمواطنين.

هذا النوع من التهديد يكشف جوهر المشروع الإيراني حين يقترب من حدود الدول: استخدام أدوات الردع غير التقليدية، والضغط عبر استهداف المفاصل الحيوية، دون الدخول في مواجهة مباشرة. وهو، في جوهره، لا يختلف كثيرًا عن العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي قامت تاريخيًا على ضرب البنية التحتية للخصوم لإضعاف قدرتهم على الصمود.

بمعنى آخر، حين تصل المعركة إلى الكهرباء والماء والاقتصاد، تسقط كل الشعارات، ويظهر التشابه العميق بين المشروعين: كلاهما مستعد لإدخال المنطقة في حالة “شلل وظيفي” لتحقيق مكاسب استراتيجية.

الأردن، في هذا السياق، ليس طرفًا في هذا الصراع بقدر ما هو هدف لمحاولات إعادة التموضع. موقعه الجيوسياسي، واستقراره النسبي، يجعله نقطة ارتكاز في حسابات الجميع. ولذلك، فإن الضغط عليه سياسيًا أو اقتصاديًا أو أمنيًا ليس تفصيلًا، بل جزء من معركة أوسع على شكل الإقليم القادم.

المطلوب اليوم ليس الانحياز في هذا الاستقطاب الحاد، بل تفكيكه. فالمعادلة الحقيقية ليست “إيران أو إسرائيل”، بل “الدولة الاردنية أو مشاريع التفكيك”. وكل خطاب يحاول تبرير أحد المشروعين بحجة مواجهة الآخر، هو في الحقيقة يفتح الباب لكليهما.

الخطر لا يُقاس بالشعارات، بل بالأثر. وحين يكون الأثر واحدًا: تهديد السيادة، واستهداف الاستقرار، واللعب بأمن المواطنين والدولة، فإن المقارنة تفقد معناها. لأن النتيجة واحدة، مهما اختلفت الرايات.

وفي لحظة كهذه، يصبح السؤال الأدق: كيف نحمي أنفسنا من الاثنين معًا؟ لا كيف نختار بينهما.

مدار الساعة ـ