أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

العطيوي يكتب: الاردن على المحك وموقفك هو الفيصل


د. محمد طه العطيوي

العطيوي يكتب: الاردن على المحك وموقفك هو الفيصل

مدار الساعة ـ

في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها المنطقة، اصبح الحديث عن الامن والاستقرار واقعا يوميا يعيشه كل اردني بكل تفاصيله، يشعر به في بيته، في شارعه، في نظرة القلق التي تعبر وجه الام حين تسمع خبرا عاجلا، وفي صمت الاب وهو يتابع ما يجري حوله بعين مليئة بالحذر. نحن اليوم لسنا بعيدين عن دائرة الخطر، ولسنا بمنأى عن ارتدادات صراع مفتوح لا يمكن التنبؤ بنهاياته، صواريخ تعبر الاجواء، مسيرات تخترق السماء، شظايا تسقط في بعض المناطق، وصفارات انذار تقطع السكون لتذكرنا ان ما نعيشه هو لحظة اختبار حقيقية لوطن بحجم الاردن.

وفي خضم هذا المشهد المربك، يقف الاردن كما عرفناه دائما، متماسكا، ثابتا، لا يتخلى عن هدوئه ولا يفقد بوصلته، دولة تعرف تماما كيف تدير الازمات دون ان تنجر الى الفوضى، وكيف تحمي نفسها دون ان تتخلى عن عقلانيتها. هذا الثبات هو امتداد لنهج راسخ تقوده قيادة هاشمية تحمل مسؤولية هذا الوطن بكل امانة. جلالة الملك عبدالله الثاني يتابع التفاصيل بدقة، لا يغيب عن المشهد، ولا يترك شيئا للصدفة، يدير الدولة بعين ترى الخطر وبعقل يوازن بين الحزم والحكمة، وبين القوة وضبط النفس. الى جانبه يقف سمو ولي العهد الامير الحسين بن عبدالله الثاني، بروح الشاب الذي يعرف نبض الشارع ويشعر بما يشعر به الناس، حاضر في الميدان، قريب من الاردنيين، يجسد صورة الجيل الذي يحمل المسؤولية بثقة ووعي.

وعندما ننظر الى السماء، لا نراها فقط مساحة مفتوحة، بل نراها ميدان حماية وسيادة، حيث يقف نشامى سلاح الجو الملكي في حالة استعداد دائم، يراقبون، يتابعون، ويتدخلون في اللحظة التي تستدعي ذلك، دون تردد او تهاون. هؤلاء الرجال لا يعملون تحت الاضواء، لكنهم يشكلون خط الدفاع الاول عن هذا الوطن، يتعاملون مع كل تهديد وكأنه يستهدف بيوتهم وعائلاتهم قبل ان يستهدف الدولة. وعلى الارض، تعمل القوات المسلحة الاردنية بمختلف تشكيلاتها، من القوات البرية الملكية، والقوات الخاصة، ووحدات التدخل السريع، ووحدات حرس الحدود، ووحدات الدعم اللوجستي والهندسة العسكرية، الى جانب جهاز المخابرات العامة، ومديرية الامن العام بكافة اداراتها ووحداتها الميدانية، وقوات الدرك، والدفاع المدني، والامن العسكري، وسائر الاجهزة المختصة، بتناغم دقيق يعكس احترافية عالية وعقيدة راسخة عنوانها ان امن الاردن فوق كل اعتبار، وان حماية المواطن والارض والسيادة مسؤولية لا تقبل التهاون ولا التأجيل.

صافرات الانذار التي نسمعها هي دليل على يقظة الدولة، على ان هناك من يسهر ليلا ونهارا لحمايتنا، على ان هذا الوطن ليس مكشوفا كما يظن البعض، بل محاط بعين لا تنام وبإرادة لا تتراجع. ومع ذلك، يبقى الخوف موجودا، ليس خوفا من ضعف، بل خوف المسؤولية، خوف المحب لوطنه، خوف من ان يمس هذا الامن الذي اعتدناه، هذا الاستقرار الذي نشأنا عليه، هذه الطمأنينة التي كانت دائما جزءا من حياتنا اليومية.

لكن الخطر لا يأتي فقط من السماء، بل يتسلل ايضا من الشاشات، من كلمات مبعثرة هنا وهناك، من اشاعات تنتشر بسرعة، من حسابات تحاول ان تزرع الشك وتبث الخوف وتشكك بكل شيء. هنا تبدأ معركة اخرى، معركة الوعي. الاردن اليوم بحاجة الى وعي ابنائه بقدر حاجته الى قوة سلاحه، بحاجة الى شباب يعرفون ان الكلمة قد تكون اخطر من الرصاصة، وان الاشاعة قد تهدم ما لا تهدمه الحروب. ليس كل ما ينشر صحيح، وليس كل ما يقال حقيقة، وهناك من يتعمد خلط الاوراق، ومن يسعى لاضعاف الثقة وزعزعة الاستقرار.

ومن هنا، تصبح المسؤولية جماعية، لا يمكن القاءها على جهة واحدة. كل اردني اليوم معني بحماية هذا الوطن، ليس فقط بالوقوف خلف قيادته الهاشمية واجهزته الامنية، بل ايضا بحماية وعيه، بعدم الانجرار خلف الشائعات، بعدم نشر ما لا يعرف صحته، بالتصدي لكل محاولة تشويه او تشكيك. الوطن لا يحمى فقط بالسلاح، بل يحمى ايضا بالكلمة الصادقة، بالموقف الواضح، بالوعي الذي يرفض ان يكون اداة في يد من يريد الاذى لهذا البلد.

هذا الوطن الذي احتضننا، الذي منحنا الامن حين فقده غيرنا، الذي كان دائما ملاذا آمنا وسط عواصف المنطقة، لا يستحق منا الا ان نكون على قدره. ان نقف معه لا عليه، ان نحميه لا ان نضعفه، ان نكون يدا واحدة لا اصواتا متفرقة. الاردن هو كرامتنا، هويتنا، وتاريخنا الذي نحمله في داخلنا. وكل لحظة تمر اليوم تذكرنا بأن الحفاظ عليه واجب لا يقبل التأجيل.

وفي هذه اللحظة الفاصلة، لا يكفي ان نقول اننا نحب الاردن، بل يجب ان نثبت ذلك بالفعل والموقف والانحياز الواضح الذي لا يقبل التأويل. هذا وطن لا يحتمل انصاف الانتماء ولا يقبل التردد، وطن دفع ثمن استقراره وعزته من جهد ابنائه ووعيهم وتماسكهم، ولن يحميه اليوم الا ذات الروح التي صنعت مجده. فاما ان نكون على قدر هذه المرحلة، نحميه بكلمتنا كما نحميه بموقفنا، ونقف صفا واحدا خلف قيادتنا الهاشمية ومؤسساتنا دون تشكيك او تراجع، قيادة حملت الامانة عبر التاريخ، وكانت دائما صمام الامان في اصعب الظروف، واما ان نفتح بابا لا نستطيع اغلاقه.

ومن هنا تبدأ المسؤولية، وهنا يكون الامتحان الحقيقي، وهنا ايضا نكتب التاريخ اما بوعي يليق بهذا الوطن، او بصمت لا يغتفر. وسيبقى الاردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة وارادة ابنائه، اقوى من كل ما يحاك ضده، عصيا على الكسر، شامخا كما كان دائما، لان فيه شعبا لا يعرف الا ان يكون على قدر الوطن، وقيادة لم تتخل يوما عن واجبها في حماية الدولة وصون كرامتها والحفاظ على امنها واستقرارها مهما اشتدت التحديات.

مدار الساعة ـ