أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين أحزاب مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

العمرو يكتب: اجتثاث الظل الإيراني في المجال السياسي الأردني


نضال الثبيتات العمرو

العمرو يكتب: اجتثاث الظل الإيراني في المجال السياسي الأردني

مدار الساعة ـ

تتبدل أدوات النفوذ حين تضيق الجغرافيا الصلبة وتتسع المساحات الرمادية، فتتحول القوة من صواريخ ومخازن سلاح إلى شبكات خطاب، ومن ميليشيات ميدانية إلى تشكيلات ذهنية تتسلل بهدوء داخل البنية السياسية والإعلامية؛ إيران، بخبرتها التراكمية منذ ثورة 1979، لم تكتف ببناء أذرع عسكرية في الإقليم، بل استحدثت نمط تفكيك أبعد واخطر حيث ذهبت نحو هندسة بيئات سياسية قادرة على إعادة إنتاج سرديتها داخل مجتمعات تبدو، ظاهرياً، خارج نطاق نفوذها المباشر.

فطهران تتعامل مع المنطقة بوصفها فضاء قابل لإعادة التشكيل عبر أدوات ناعمة مموهة، حيث لا يظهر الفاعل الحقيقي، بل يتقدم وكلاء يحملون ملامح محلية ويستخدمون لغة وطنية، بينما يعملون ضمن منظومة مفاهيم مستوردة؛ تلك هي الميليشيات السياسية، كيان بلا سلاح ظاهر، لكنه يمتلك قدرة اختراق عميقة للوعي الجمعي، يشتغل على إعادة تعريف العدو والصديق، ويعيد ترتيب الأولويات بما يخدم مشروع خارجي دون إعلان صريح.

تشهد الساحة الأردنية للأسف، بحكم موقعها الجيوسياسي الحساس، تسلل من هذا النوع، لا عبر بنادق أو خلايا مسلحة، بل عبر خطاب إعلامي وسياسي يتقاطع بشكل مريب مع الرواية الإيرانية في لحظات مفصلية؛ يظهر ذلك في تبرير سلوكيات إقليمية عدوانية، أو في تبني خطاب مزدوج يهاجم الدولة الوطنية تحت ذرائع إصلاحية، بينما يفتح المجال لتطبيع غير مباشر مع أجندات عابرة للحدود.

خطورة هذه الظاهرة لا تكمن في حجمها الحالي، بل في قابليتها للنمو داخل بيئات تعاني من ضغط اقتصادي أو احتقان سياسي؛ الميليشيا السياسية مهما كان قناعها، لا تحتاج إلى قاعدة جماهيرية واسعة في البداية، يكفيها نخب محدودة تمتلك أدوات التأثير، من منصات إعلامية إلى منابر تحليل، لتبدأ عملية إعادة تشكيل الإدراك العام؛ هنا يصبح الدفاع عن الرواية بديل عن الدفاع عن الوطن، ويتحول التبرير إلى نمط تفكير مستقر.

وجوب تفكيك هذه الشبكات يتطلب مقاربة تتجاوز الحلول الأمنية التقليدية؛ فالمسألة ليست ملاحقة أفراد فقط، بل تفكيك بنية خطاب، وكشف مصادر تمويل، وتعزيز مناعة المجتمع عبر إنتاج رواية وطنية متماسكة لا تترك فراغ تتسلل منه سرديات خارجية؛ كذلك، يحتاج المشهد السياسي إلى مراجعة عميقة تضمن عدم تحول التعددية إلى بوابة اختراق، أو استخدام الحرية كغطاء لتمرير أجندات مضادة للدولة.

تاريخ المنطقة مليء بأمثلة تؤكد أن الاختراق الناعم يسبق الانفجار الصلب؛ حين تترسخ الميليشيات السياسية، يصبح الطريق ممهد لمرحلة أكثر خطورة، حيث تتحول الأفكار إلى أدوات فعل ميداني؛ لذلك، لا يبدو الحديث عن اجتثاث هذه الظاهرة ترف خطابي، بل ضرورة سيادية، تفرضها حسابات الأمن الوطني في زمن تتغير فيه أشكال الصراع، وتصبح الكلمة أخطر من الرصاصة حين تُصاغ بمهارة وتُمرر في التوقيت المناسب.

مدار الساعة ـ