أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين أحزاب مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الحجاج يكتب: المشروع الوطني للنقل المدرسي حين تقترب المدرسة.. يقترب الوطن!


أحمد سعد الحجاج
صحفي أردني

الحجاج يكتب: المشروع الوطني للنقل المدرسي حين تقترب المدرسة.. يقترب الوطن!

أحمد سعد الحجاج
أحمد سعد الحجاج
صحفي أردني
مدار الساعة ـ

حين تكتب الدولة إرادتها بالفعل وتترجم عنايتها بالإنسان إلى مبادرات تمسّ جوهر حياته، فإنها لا تقدم خدمة عابرة، بل تؤسس لمرحلة تصان فيها الكرامة ويفتح فيها أفق الأمل. ومن هذا المنطلق، يأتي المشروع الوطني للنقل المدرسي عنوانا لالتزام راسخ بأن الطالب الأردني هو الأولوية، وأن الطريق إلى المدرسة يجب أن يكون آمنًا كريما ممهدًا، كما يليق بمستقبل وطن بأكمله.

هذا النهج ليس طارئًا، بل هو امتداد لرؤية راسخة تقودها القيادة الهاشمية الحكيمة، وعلى رأسها جلالة الملك عبدالله بن الحسين، حفظه الله ورعاه، الذي ما فتئ يؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من مقاعد الدراسة وأن تمكين الطالب في كل شبر من أرض الأردن واجب سيادي ومسؤولية وطنية. ومن هذه الرؤية تنبثق السياسات، وتبنى البرامج، ويأتي هذا المشروع شاهدا حيًا على صدق التوجه ووضوح الغاية.

وقد تبلور هذا الإنجاز ثمرة جهد حكومي متكامل، بمتابعة حثيثة من دولة رئيس الوزراء الأفخم الدكتور جعفر حسان، وبإسناد واعٍ من مجلس الوزراء الموقر، الذين عملوا بروح الفريق الواحد لترجمة التوجيهات إلى واقع ملموس. وفي صميم هذا العمل يبرز الدور النوعي لمعالي وزير التربية والتعليم والتعليم العالي الأستاذ الدكتور عزمي محافظة، الذي ما فتئ يحمل همَّ الميدان التربوي، ويقود مسيرة التطوير بعين خبيرة، وإرادة لا تلين، وإيمان عميق بأن الطالب هو محور العملية التعليمية وغايتها.

لقد جاء هذا المشروع استجابة دقيقة لواحد من أكثر التحديات إلحاحًا،، إذ لم تكن المشكلة في إرادة الطلبة، بل في قسوة الطريق وبعد المسافات. فجاء الحل ليعيد صياغة المشهد كاملًا: طريق آمن، وقت منتظم، وبيئة مهيأة للتعلم. وهنا تتجلى القيمة الحقيقية لهذا المشروع، إذ يسهم بصورة حاسمة في الحد من التسرب المدرسي، ويعيد آلاف الطلبة إلى مقاعدهم، بعد أن كانت الجغرافيا تقف عائقًا صامتًا أمام طموحاتهم.

كما ينهض المشروع بدور محوري في تقليص نسب الغياب، لا سيما في المناطق النائية وجيوب الفقر، حيث كانت التحديات المركبة تثقل كاهل الأسرة والطالب معًا. واليوم، ومع انتظام النقل وأمانه، يتعزز الالتزام، وتستقر العملية التعليمية، ويشعر الطالب أن مدرسته أقرب، وأن دولته أقرب منهما معًا، حضورٌ يترجم عناية، وقربٌ يجسّد مسؤولية.

وإذا ما ارتقينا بالنظر إلى بعده الإنساني، فإن مشهد الحافلات وهي تنطلق كل صباح ليس مجرد حركة نقل، بل لوحة وطنية حيّة، تنقل فلذات الأكباد، وتحمل العقول نحو المعرفة، وتؤكد أن الدولة تستثمر في الإنسان بوصفه الثروة الأثمن. إنها رحلة يومية تختصر معنى الرعاية، وتترجم قيمة الانتماء، وتعلن أن الطريق إلى العلم بات مصونًا بإرادة وطن لا يتراجع.

ويمتد أثر هذا المشروع إلى عمق البيئة التعليمية، حيث يعزز الانتظام، ويرفع جودة التحصيل، ويدعم كفاءة استثمار الموارد، ويفتح المجال أمام تنظيم تربوي أكثر فاعلية. كما يسهم في تنشيط المجتمعات المحلية عبر توفير فرص عمل، وربط التعليم بسياقه التنموي الأشمل، بما يعزز حضور المدرسة كمحور للحياة والإنتاج معًا، لا كمكان للتلقين فحسب.

ومع انطلاق مرحلته الأولى مع بداية العام الدراسي 2027/2026 مستهدفًا طلبة مدارس البادية الجنوبية في محافظات الكرك والطفيلة ومعان والعقبة، فإننا لا ندشن مشروعًا مرحليًا فحسب، بل نؤسس لمسار وطني متدرج يمتد تباعًا ليشمل البادية الشمالية والوسطى، وصولًا إلى تغطية أوسع لمناطق المملكة كافة، وفق رؤية متوازنة تضمن جودة التنفيذ واستدامة الأثر.

إن هذا المشروع ليس مجرد وسيلة نقل، بل رسالة دولة، وموقف مسؤول، واستثمار واعٍ في مستقبل الأردن. هو تأكيد أن الطالب ليس وحده في طريقه إلى المدرسة، بل يسير برعاية وطن كامل يؤمن به، ويهيئ له أسباب النجاح، ويصون حقه في التعليم كما يصون كرامته.

فالطريق إلى المدرسة حق

وحين تقترب المدرسة… يقترب الوطن.

وفي الختام، يتجلى جوهر هذا المشروع حين تتحمل الدولة كلفة النقل بما يقارب 27 دينارًا لكل طالب، في استثمار مباشر بعقول أبنائها لا يُقاس بالأرقام بل بما يصنعه من أثر. إنها خطوة تعزز العدالة التعليمية، وتختصر المسافات أمام الطلبة، وترفع منسوب الاستقرار والتحصيل، ليغدو الطريق إلى المدرسة جسرًا حقيقيا نحو مستقبل أكثر إشراقًا للوطن.

مدار الساعة ـ