أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أبو زيد يكتب: بين التأجيل والتصعيد.. هل يناور ترامب أم يُعيد رسم قواعد الاشتباك مع إيران؟


زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار

أبو زيد يكتب: بين التأجيل والتصعيد.. هل يناور ترامب أم يُعيد رسم قواعد الاشتباك مع إيران؟

زيد أبو زيد
زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار
مدار الساعة ـ
حين تُعلَن القرارات من فوق المنصّات، تبقى الحقيقة دائماً رهينة ما يُدار في الغرف المغلقة

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الجغرافيا مع الطاقة، والسياسة مع الأمن، أعلن Donald Trump عن تأجيل قرار استهداف منشآت الطاقة الكهربائية والبنية التكنولوجية في إيران لمدة خمسة أيام. قرارٌ لم يكن عابراً، بل فتح الباب واسعاً أمام سيلٍ من التساؤلات، وأعاد طرح المشهد بأكمله على طاولة التحليل الاستراتيجي، حيث لا يمكن قراءة التصريحات بمعزل عن ما يُدار خلف الكواليس، ولا يمكن الركون إلى ظاهرها دون تفكيك عميق لمضامينها.

أولاً: هل نحن أمام مناورة سياسية أم تراجع محسوب؟

المدرسة الترامبية في السياسة لطالما اعتمدت على “إدارة الصدمة”، حيث التصريحات الحادة تُستخدم كأداة تفاوضية بحد ذاتها. من هنا، يمكن قراءة قرار التأجيل ضمن سيناريوهين رئيسيين:

• سيناريو المناورة:

قد يكون التأجيل جزءاً من تكتيك مدروس يهدف إلى كسب الوقت، سواء لاستكمال الحشد العسكري في المنطقة، أو لفتح قنوات تفاوض غير معلنة مع أطراف داخل النظام الإيراني.

وهنا تبرز نقطة محورية: حديث ترامب عن وجود شخصيات “وازنة” داخل إيران مستعدة للتفاوض، وهو ما يتناقض مع السردية السابقة التي تحدثت عن فراغ في القرار الإيراني بعد غياب Ali Khamenei وصعود Mojtaba Khamenei، إلى جانب غياب شخصيات تفاوضية مؤثرة مثل Ali Larijani.

• سيناريو التراجع المحسوب:

في المقابل، قد يكون القرار انعكاساً لإعادة تقييم سريعة بعد إدراك حجم الرد الإيراني المحتمل، خاصة مع ما أظهرته طهران من قدرة على توجيه ضربات صاروخية وبالستية، طالت مناطق حساسة مثل Dimona Nuclear Reactor ومحيطها.

ثانياً: العامل العسكري… هل تأخر الحسم بسبب الجغرافيا؟

التوقيت هنا ليس تفصيلاً.

الحديث عن وصول حاملات طائرات أمريكية وانتشار أساطيل في الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط يطرح سؤالاً محورياً:

هل كان قرار الضربة خلال 48 ساعة قابلاً للتنفيذ دون اكتمال الانتشار العسكري؟

الاحتمال الأرجح أن واشنطن لم تكن مستعدة لتحمّل تبعات ضربة استباقية دون ضمان السيطرة على نقاط الاختناق الاستراتيجية، وعلى رأسها Strait of Hormuz، الذي يشكّل شريان الطاقة العالمي.

أي خلل في هذه المعادلة كان سيحوّل الضربة من عملية عسكرية محدودة إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.

ثالثاً: القوة الصاروخية الإيرانية… عنصر ردع أم ورقة تفاوض؟

ما حدث على الأرض أعاد التأكيد على أن القدرات الصاروخية الإيرانية لم تعد مجرد عامل ردع نظري، بل أداة تأثير فعلي.

الرسالة الإيرانية كانت واضحة:

القدرة على ضرب منشآت حساسة، وتهديد البنية التحتية للطاقة، لا تقتصر على دولة بعينها، بل تمتد لتشمل الإقليم بأكمله.

وهنا تبرز نقطة جوهرية لا يمكن تجاوزها:

إن أي ردّ فعل إيراني يتجاوز إطار المواجهة المباشرة ليطال دولاً عربية—في الخليج أو خارجه، بما في ذلك Jordan وIraq—يُعدّ انتهاكاً صريحاً لسيادة هذه الدول وخروجاً عن قواعد الاشتباك الإقليمي.

وهذا الخطأ، إن تم أو استمر، لن يُقرأ كتكتيك عسكري، بل كتحول استراتيجي ستكون له كلفة سياسية بعيدة المدى على علاقات إيران مع محيطها العربي، وقد يعيد تشكيل منظومة التحالفات في المنطقة على أسس أكثر حدّة.

رابعاً: الاقتصاد… اللاعب الصامت الذي يفرض قراره

لا يمكن عزل القرار الأمريكي عن الارتدادات الاقتصادية العالمية:

• ارتفاع حاد في أسعار النفط

• تراجع في أسواق الأسهم العالمية

• حالة قلق في سلاسل الإمداد والطاقة

هذه المؤشرات تضعنا أمام فرضية قوية:

أن العامل الاقتصادي لم يكن مجرد خلفية، بل ربما كان أحد أبرز دوافع التأجيل.

فأي تصعيد عسكري واسع في منطقة تُنتج النسبة الأكبر من الطاقة العالمية، سيؤدي إلى هزة اقتصادية قد لا تستطيع حتى القوى الكبرى احتواءها بسهولة.

خامساً: بين التهديد والتغريدة… هل تُدار المنطقة بردود أفعال؟

لا يمكن إغفال بعدٍ بالغ الخطورة في هذا المشهد، يتمثل في طبيعة القرار السياسي ذاته.

فلا يجوز—استراتيجياً—أن تُرهن منطقة بأكملها، بكل تعقيداتها السياسية والاقتصادية والأمنية، إلى تصريحات أو تغريدات يصدرها Donald Trump، أياً كانت دوافعها.

ذلك أن ردود الفعل غير المحسوبة من الأطراف المختلفة، في بيئة مشحونة ومسلّحة بهذا الحجم، قد تدفع الجميع نحو مواجهة مباشرة شاملة، لا تملك أي دولة—مهما بلغت قوتها—القدرة على احتوائها بسهولة.

ومن هنا يبرز سؤال أكثر عمقاً:

هل ما قيل سابقاً عن تدمير ما بين 85% إلى 90% من القدرات الصاروخية والمسيرات كان واقعاً دقيقاً؟

• إن كان صحيحاً، فلماذا يستمر القلق من الرد الإيراني؟

• وإن لم يكن كذلك، فهل كنا أمام حرب روايات تم فيها تضخيم الإنجازات وتزييف الوقائع؟

إن التجارب القريبة، بما فيها ما أُعلن سابقاً عن “تحييد البرنامج النووي” أو “تدمير منصات الإطلاق”، ثم عودة هذه القدرات للظهور، تطرح احتمالاً مقلقاً:

أن جزءاً من الصراع لم يعد يُدار بالسلاح فقط، بل بالمعلومة… وربما بالمعلومة المضلِّلة.

وهنا تتجاوز المسألة حدود التكتيك، لتصل إلى سؤال أكبر:

إلى متى ستبقى السياسات الدولية، وخاصة الأمريكية، قادرة على إبقاء العالم في حالة ترقّب دائم، معلّقاً بين الحقيقة والرواية، وبين القرار والتغريدة؟

بين المناورة والتراجع، وبين الحشد العسكري والضغط الاقتصادي، يقف قرار التأجيل الأمريكي كعنوان لمرحلة جديدة من الصراع، مرحلة لا تُحسم فيها المعارك بالضربات المباشرة فقط، بل بإدارة التوازنات الدقيقة بين القوة والردع والمصالح.

وفي قلب هذا المشهد، تتكشّف حقيقة لا يمكن تجاهلها:

أن الأخطاء—سواء في التقدير العسكري أو في ردود الفعل السياسية—لم تعد محصورة داخل حدود الدول، بل أصبحت تمتد لتصيب الإقليم بأكمله، وتعيد تشكيل علاقاته وتوازناته لعقود قادمة.

أما الحقيقة الأهم… فهي أن ما لم يُعلَن بعد، قد يكون أكثر تأثيراً مما قيل، وأن العالم قد لا يخشى الحرب بقدر ما يخشى القرارات التي تُتخذ بلا حساب.

مدار الساعة ـ