أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الأولوية للاستقرار وليس للنمو


سلامة الدرعاوي

الأولوية للاستقرار وليس للنمو

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

لا شكّ أن الحكومة تحاول جاهدة تأمين احتياجات المملكة من السلع والخدمات بشتى الطرق، والإجراءات التي اتُّخذت في الآونة الأخيرة من فتح المنافذ والموانئ وتسهيل الاستيراد للسلع الأساسية وغيرها، تصبّ في هذا الاتجاه الذي يهدف إلى استدامة الحركة الاقتصادية وضبط متطلبات الأمن المعيشي قدر الإمكان ضمن مستويات مقبولة، لا تنجرّ وراء موجة الارتفاعات التي بدأت منذ اليوم الأول للحرب.

لكن جميع السيناريوهات تبقى مفتوحة أمام هذا المشهد الإقليمي والدولي المقلق، والذي لا شكّ أن تداعياته ستنعكس سلبًا على الاقتصاد الوطني الذي كان يسير باتجاه إيجابي ثابت ومستقر.

القلق يتزايد لدى صانع القرار الاقتصادي من أن استمرار الحرب لفترات أطول ستكون له تداعيات مالية وخيمة على الاقتصاد الوطني عامة، والخزينة خاصة، إذا لم تتحوّط الحكومة مبكرًا لأسوأ السيناريوهات، والتي لن تنعكس على إمدادات السلع الرئيسة والخدمات، فهذه لا تشكّل خطورة كبيرة، لكن القلق يكمن تحديدًا في كلف الطاقة، واستيراد بعض المواد الأساسية الإستراتيجية كالحبوب، والتي سيكون لارتفاع أسعارها بشكل كبير أثر سلبي على الموازنة العامة، خاصة في زيادة الدعم المخصص لتلك السلع.

كلف استيراد الطاقة من نفط خام وغاز سترتفع بشكل كبير، وقد تتضاعف على الموازنة التي بُنيت فرضياتها على سعر نفط يبلغ 62 دولارًا للبرميل، بينما يتجاوز اليوم 100 دولار، في حين أن كلف الغاز تضاعفت بشكل ملحوظ بعد انقطاعه عن الأردن وتعويضه بالديزل وزيت الوقود، الأمر الذي قد يكلّف الخزينة يوميًا ما يقارب 4.7 مليون دينار.

هذه أرقام مقلقة تؤثر على الاستقرار المالي للخزينة، وتنسف مؤشرات الموازنة التي كانت الحكومة قد سجّلت العام الماضي، ولأول مرة منذ عقدين، التزامًا كاملًا بتنفيذ بنودها وتطابقًا بين الأرقام المقدّرة والفعلية، ما أعطى دفعة إيجابية لعملية الإصلاح المالي في المملكة.

خيارات الحكومة صعبة في مواجهة جميع السيناريوهات الاقتصادية المحتملة لهذه الحرب؛ فهي إما تكرار المشهد السابق للأزمات التي تعصف بالإقليم، واللجوء إلى الاقتراض لمواجهة التداعيات المالية، ما يعني مزيدًا من الأعباء وزيادة الدين، كما حصل في أزمة الحرب الروسية الأوكرانية، التي كلّفت الخزينة ما يزيد على نصف مليار دينار كلفًا إضافية نتيجة زيادة مخصصات الدعم وغيرها من التدابير التي اتُّخذت في ذلك الوقت لحماية الأمن المعيشي للمواطنين.

أو خيار آخر لم يُطبّق سابقًا بشكل كامل، يتمثل في تأجيل مبكر، وليس إلغاء، لعدد من بنود المشاريع الرأسمالية بقيمة لا تقل عن نصف مليار دينار كحد أدنى، إلى حين اتضاح مآلات هذه الحرب.

بطبيعة الحال، قد لا يعجب الخيار الأخير عددًا من المسؤولين، وعلى رأسهم رئيس الوزراء، الذي يُعدّ من أبرز أنصار التنفيذ الكامل للمشاريع الرأسمالية لتحقيق معدلات النمو المستهدفة البالغة 2.8 %.

في الحقيقة، هذه وجهة نظر صحيحة في الظروف العادية، لكن في ظروف الحروب، ومع تراجع الإيرادات المالية وتوقف شبه كامل للمساعدات الخارجية، فإن الأولوية تكون للاستقرار الاقتصادي وليس للنمو.

هذه الحكومة، وأكرر، حققت العديد من الإيجابيات في المشهد الاقتصادي، ولا بد أن تحافظ عليها، فالتاريخ لن يرحم؛ إذ إن الناس ستنسى الحرب وتداعياتها وكلفها، لكنها ستتذكر فقط المديونية والاقتراض وفوائد الدين التي ستُحمَّل للأجيال المستقبلية. لذلك، فإن الوقاية خير من قنطار علاج، والتحوّط المبكر أفضل بكثير من أي إجراءات مستقبلية قد تُضطر الحكومات لاتخاذها إذا طال أمد الحرب.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ