مدار الساعة - كتب: برجس الشوابكة -في لحظاتٍ تختلط فيها دماء الواجب بشرف الرسالة، يسطّر رجال إدارة مكافحة المخدرات في أردننا الغالي صفحاتٍ من التضحية الخالدة، كان آخرها استشهاد عددٍ من مرتبات هذا الجهاز وهم يؤدون واجبهم في مواجهة آفة المخدرات التي تهدد الأفراد وتضرب في عمق الأمن المجتمعي والسلم الأهلي.
لا يمكن قراءة هذه الحادثة الأليمة بوصفها واقعة جنائية عابرة، بل هي تجسيد صارخ لحجم الخطر الذي يواجهه المكلفون بإنفاذ قانون المخدرات والمؤثرات العقلية رقم (23) لسنة 2016، وهم يتصدون لشبكات إجرامية منظمة لا تتورع عن استخدام العنف والسلاح في مواجهة السلطة العامة.أحاط المشرّع الجزائي الأردني العاملين في إدارة مكافحة المخدرات بحماية جزائية، إدراكاً لطبيعة المخاطر التي تحيط بعملهم؛ فجرمت المادة (12) من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية مقاومة الموظفين القائمين على تنفيذ أحكام القانون، وغلّظت العقوبة إلى الأشغال المؤقتة المشددة، لتصل إلى الإعدام إذا أفضى الاعتداء إلى الوفاة، وهذا التشديد ليس إلا انعكاساً لخطورة الفعل واعتباره اعتداءً على هيبة الدولة وسيادة القانون قبل أن يكون اعتداءً على شخص الموظف.وتكشف المادتين (18) و (19) من القانون ذاته عن سياسة جنائية صارمة تجاه جرائم الاتجار بالمخدرات وإعداد أماكن لتعاطيها، حيث فرضت عقوبات تصل إلى الأشغال المؤقتة لمدد طويلة وغرامات مالية مرتفعة، مع تعطيل تطبيق الأسباب المخففة، خاصة في حالات التكرار أو إشراك القاصرين أو استغلال الوظيفة العامة، وهو ما يدل على نظر المشرّع إلى هذه الجرائم بوصفها جرائم تهدد كيان المجتمع وأمنه، لا مجرد أفعال فردية معزولة.وأوصي السلطة التشريعية بتعديل نص المادة (12) من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية لتحويل الوصف الجرمي لجنحة مقاومة الموظفين بصورتها البسيطة إلى جناية مع تدرج عقوبتها الجنائية تبعاً لجسامة النتيجة المرتبطة بسلامة الموظفين المتمخضة عن المقاومة، إلى جانب تشديد عقوبة جريمة الترويج للمخدرات في نص المادة (15) من القانون ذاته برفع حدها الأدنى لتقترب من عقوبة الاتجار بالمخدرات لكون الترويج آداة الوصل بين التعاطي والاتجار ولاتصاله بجماعات إجرامية وإتساع أثره العابر للحدود فضلاً عن مساسه بالمنظومة الأمنية والسلم المجتمعي.يضعنا استشهاد مرتبات مكافحة المخدرات أثناء أداء واجبهم أمام حقيقة قانونية وأخلاقية مفادها أن هذه الجرائم لم تعد مجرد خروج عن القانون، بل تحولت إلى سلوك إجرامي منظم يتسم بالعنف والتحدي المباشر لسلطة القانون، الأمر الذي يستوجب تفعيل النصوص الجزائية بأقصى درجات الحزم، وعدم التهاون في تطبيق العقوبات المقررة.فإن أي اعتداء مسلح على رجال مكافحة المخدرات يندرج تحت الوصف الأشد المنصوص عليه في المادة (12) بفقرتيها (ج) و(د)، وقد يرتقي إلى جريمة تستوجب عقوبة الإعدام إذا نتج عنه وفاة، باعتباره قتلاً مقترناً بظروف مشددة تتمثل في وقوعه على موظف أثناء قيامه بواجبه أو بسبب ما أجراه بحكم وظيفته.وإزاء هذه التضحيات لا تقف المسؤولية الجزائية عند حدود تطبيق النصوص القانونية، بل تمتد إلى تعزيز الردع العام، وتكريس ثقافة قانونية مجتمعية ترفض التستر على هذه الجرائم أو التهاون معها، خاصة وأن قانون المخدرات والمؤثرات العقلية يجرّم حتى الامتناع عن الإبلاغ عن إعداد أماكن التعاطي من قبل المكلفين بالرقابة.ولن تكون دماء الشهداء من مرتبات مكافحة المخدرات مجرد رقم في سجل الواجب، بل هي نداءٌ متجدد لتكامل الجهود بين الدولة والمجتمع في مواجهة هذه الآفة، وترسيخ سيادة القانون بوصفها الضمانة الحقيقية لحماية الأرواح وصون كرامة الإنسان.رحم الله فرسان الأمن وشهداء الواجب وألهم ذويهم الصبر والسلوان.الشوابكة يكتب: مواجهة آفة المخدرات في حفظ المنظومة الأمنية وترسيخ سيادة القانون
مدار الساعة ـ



