أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أحزاب أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أبو لبن يكتب: السِت موناليزا: حكاية قلبٍ خذلته الوجوه


الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق

أبو لبن يكتب: السِت موناليزا: حكاية قلبٍ خذلته الوجوه

الدكتور زياد أبو لبن
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
مدار الساعة ـ

يقدّم مسلسل "السِت موناليزا" نموذجًا دراميًا يسعى إلى الجمع بين التشويق الاجتماعي والتحليل النفسي للشخصيات، لكنه في الوقت نفسه يفتح بابًا واسعًا للنقاش النقدي حول طبيعة البناء الدرامي الذي اعتمده، وحول الطريقة التي انتهت بها الحكاية بعد مسار طويل من التصعيد والتوتر. فمنذ الحلقة الأولى يضع العملُ المشاهدَ أمام حكاية تبدو في ظاهرها بسيطة: فتاةٌ عادية تحلم بحياة مستقرة، لكن هذا الحلم يتحول تدريجيًا إلى سلسلة من الوقائع القاسية التي تكشف هشاشة الثقة الإنسانية حين تتقاطع مع الطمع والخداع.

تظهر موناليزا (مي عمر) في البداية بوصفها شخصية عادية قريبة من الحياة اليومية؛ تعمل طاهية في أحد الفنادق وتعيش حياة هادئة في الإسماعيلية، قبل أن يعود إلى حياتها جار الطفولة حسن، في مشهد يبدو كأنه استعادة رومانسية لذكريات الماضي. غير أن هذا اللقاء الذي يُقدَّم في الحلقات الأولى بوصفه بداية قصة حب، سرعان ما يتحول إلى نقطة الانعطاف الأولى في العمل. فالمشاهد يكتشف تدريجيًا أن هذا الحب لم يكن سوى قناع يخفي وراءه مصلحة واضحة، حين يتضح أن حسن لم يتزوج موناليزا بدافع العاطفة بقدر ما كان مدفوعًا برغبته في الوصول إلى ميراثها.

هذا التحول الدرامي المبكر يمثل لحظة كاشفة في المسلسل؛ إذ ينتقل العمل من أجواء رومانسية هادئة إلى فضاء اجتماعي أكثر قتامة، حيث تتكشف طبيعة العلاقات القائمة على الاستغلال. ويتجلى ذلك في عدد من المشاهد التي تظهر فيها البطلة محاصرة بين ضغوط زوجها وعائلته، ولا سيما المشهد الذي يواجهها فيه حسن بديونه المتراكمة ويضغط عليها للحصول على المال من ميراثها. في هذه اللحظة تتغير نظرة موناليزا إلى حياتها الزوجية، ويبدأ المسلسل في رسم ملامح الانكسار الداخلي للشخصية.

ومع تقدم الحلقات، يواصل العمل توسيع دائرة الصراع، فينتقل من مجرد قصة خديعة زوجية إلى دراما اجتماعية تتشابك فيها المصالح والأسرار. ومن أكثر المشاهد تأثيرًا تلك اللحظة التي تعود فيها البطلة إلى بيت أسرتها بعد سلسلة من الخلافات، لتواجه فاجعة وفاة أحد والديها. يقف المشاهد أمام مشهد إنساني كثيف حين تنهار موناليزا وهي تحتضن ملابس والدتها، في لحظة تختصر شعور الفقد والعزلة الذي بدأ يسيطر على حياتها.

غير أن المسلسل لا يكتفي بتصعيد الصراع العاطفي، بل يدفع بالشخصية إلى منطقة أكثر قسوة حين تجد نفسها متهمة في حادثة مأساوية تقودها في النهاية إلى السجن. وهنا يعتمد العمل تقنية الفلاش باك ليعيد بناء الحكاية من جديد، فتروي البطلة تفاصيل ما حدث وكيف وصلت إلى هذا المصير. هذه التقنية السردية تمنح المسلسل طابعًا تشويقيًا واضحًا، إذ يصبح المشاهد مدفوعًا لمعرفة اللحظة التي تحوّلت فيها حياة موناليزا من مسارها الطبيعي إلى هذا المصير المظلم.

وتبرز قوة العمل في عدد من اللحظات المفصلية التي تُظهر التحول النفسي للشخصية، مثل المشهد الذي تصرخ فيه موناليزا داخل السجن وهي تواجه حقيقة ما آلت إليه حياتها. في هذا المشهد تتكثف الدلالة الرمزية للعمل كله؛ فالشخصية التي بدأت الحكاية بوجه بريء وحلم بسيط تبدو الآن امرأةً أنهكها الخداع وفقدت ثقتها بالعالم من حولها.

غير أن المشكلة الدرامية الحقيقية في المسلسل لا تكمن في مسار الأحداث بقدر ما تظهر بوضوح في نهايته. فبعد هذا التراكم الطويل من الصراعات النفسية والاجتماعية، يختار العمل أن يحسم مصائر الشخصيات: حسن (أحمد مجدي)، سميحة (سوسن بدر)، عفاف (وفاء عامر)، أدهم (حازم إيهاب) عبر سلسلة من الأحكام القضائية التي تعلن إدانة بعض الأطراف وتبرئة أخرى. وعلى المستوى الظاهري قد يشعر المشاهد بالرضا، لأن العدالة تبدو وكأنها قد انتصرت في النهاية، وأن من ارتكب الأخطاء لم يفلت من العقاب.

لكن هذه النهاية تطرح إشكالًا نقديًا واضحًا. فالدراما التي بنت طوال حلقاتها عالمًا معقدًا من العلاقات الإنسانية والخيانات والتحولات النفسية، تعود فجأة إلى حلّ قانوني مباشر يختصر كل ذلك التعقيد في حكم قضائي. وهنا يشعر المتلقي بأن العمل قد تراجع خطوة إلى الوراء، وكأنه استبدل النهاية الدرامية المفتوحة التي يقتضيها هذا النوع من القصص بنهاية حاسمة وسريعة.

ولهذا يمكن القول إن نهاية "السِت موناليزا" تخلق مفارقة واضحة في تلقي العمل؛ فهي من جهة تُرضي المشاهد لأنها تعيد ترتيب العالم الدرامي وفق منطق العدالة، لكنها من جهة أخرى لا تقنعه بالكامل، لأنها لا تعكس العمق النفسي الذي بُنيت عليه الشخصيات منذ البداية. فالعدالة القانونية قد تحسم الوقائع، لكنها لا تحسم دائمًا الأسئلة الإنسانية التي طرحتها الدراما.

ومع ذلك يبقى المسلسل تجربة جديرة بالاهتمام في سياق الدراما الاجتماعية المعاصرة، لأنه ينجح في طرح سؤال مركزي حول هشاشة الثقة الإنسانية في مجتمع تحكمه المصالح. وربما تكمن قيمة العمل الحقيقية في هذه المساحة الرمادية التي يتركها بين الرضا وعدم الاقتناع، تمامًا كما في ابتسامة اللوحة الشهيرة التي استعار منها اسمه: ابتسامة تبدو واضحة للعين، لكنها تظل عصية على التفسير الكامل.

مدار الساعة ـ