أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الخصاونة يكتب: الملك عبدالله الثاني والشيخ تميم بن حمد.. إذا التقى الصقران على قمةٍ واحدة


المحامي معاوية الخصاونة

الخصاونة يكتب: الملك عبدالله الثاني والشيخ تميم بن حمد.. إذا التقى الصقران على قمةٍ واحدة

مدار الساعة ـ
الخصاونة يكتب: الملك عبدالله الثاني والشيخ

حين تهبط الطائرة الملكية الأردنية على أرض الدوحة وتفتح أبوابها، فلا يخرج منها رجلٌ عادي. يخرج منها ملكٌ صنعته مدرسة الهاشميين على مدى عقود، نُحت فيه الصبر والحكمة كما تُنحت الجبال، ورأى من تقلبات هذه المنطقة وتحولاتها ما لم يره كثيرون. وعلى قمة سلّمها، في انتظاره، أمير أثبت للعالم أن الصحراء قادرة على أن تُنبت نخلةً تُظلّ المنطقة كلها بحكمتها وثبات موقفها.

لقاء الملك عبد الله الثاني ابن الحسين بحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في الدوحة لم يكن لقاء رجلين فحسب، بل كان تلاقي عقلين استراتيجيين، وتجديداً لعهد الأخوة الراسخة التي لا تزعزعها العواصف ولا تُضعفها سنوات الاختبار. كان لقاءً تتكلم فيه الأرض بما لا تستطيع الأقلام البوح به، ويقول فيه الحضور ما يعجز عنه كل البيانات.

الشرق الأوسط اليوم يرزح تحت ثقل مرحلة لم تشهد لها المنطقة نظيراً في أزمنة متقاربة. منذ أن أشعلت إسرائيل فتيل ما بات يُعرف بحرب الاثني عشر يوماً في يونيو من عام خمسة وعشرين وألفين، بضرباتها المفاجئة على الأراضي الإيرانية، والمنطقة لا تجد لها قراراً من التصاعد المتواصل. ثم جاءت الضربات الأمريكية الإسرائيلية الموسّعة على إيران في فبراير من عام ستة وعشرين وألفين، فردّت طهران بعواصف صواريخ لم تُفرّق في طريقها بين صديق وعدو، فطالت الأردن ودول الخليج العربي جميعها من البحرين إلى الإمارات والكويت وقطر، وبات كل بيت في هذه المنطقة يشعر بوطأة لهب لم يُشعله.

في هذا الجحيم المتأجج، حيث تتلاشى الخطوط الحمراء وتُداس الأعراف الدولية دوساً لا يُبالي بصرخات الضمير الإنساني، وقفت دولة قطر في وجه الإعصار وحيدةً شامخة كنخلة في مهبّ الريح. استُهدفت على أراضيها، وامتدت يدٌ غاشمة لتضرب الدوحة في قلبها، في اعتداءٍ وصفه العالم بأنه إرهاب دولة وانتهاك سافر لكل القيم والمواثيق. ومع ذلك، لم تتزعزع قطر ولم تتراجع، ولم تُخفض صوتها الداعي إلى السلام ولو قيد أنملة.

وفي تلك اللحظة الفارقة، جاء جلالة الملك عبد الله الثاني إلى الدوحة. جاء ليس لأن الأعراف الدبلوماسية تستوجب ذلك، بل لأن قلب الهاشمي لا يطيق أن يرى أخاً في محنة فيبقى بعيداً. هكذا تعلّم من أبيه الملك الحسين بن طلال، وهكذا ورث عن أجداده الكرام عقيدة الولاء والوفاء التي لا تتبدل مع تبدل الأيام. كان حضوره رسالةً يفهمها القاصي قبل الداني: أن الأردن يقف مع قطر، لا خلفها ولا على هامشها، بل بجانبها في أوج العاصفة.

أما سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، فذلك القائد الذي اختار الشعب القطري أن يُلقّبه بـ ‘المجد'، فقد أثبت أن اللقب لم يأتِه مجاملةً بل استحقاقاً حقيقياً. رجلٌ في مقتبل العمر يحمل على عاتقيه أمانة أمة، ويقود دولةً صغيرة الحجم عظيمة الدور، لم يُعرف عنه أنه تردد في قول الحق أو تراجع أمام الضغط مهما عظم وتمدد. وحين أحكمت حوله أعداء الدور القطري خناقهم، لم يجد سمو الأمير خلفه إلا الشعب وبعض من الأخوة الحقيقيين في مقدمتهم جلالة الملك عبد الله الثاني.

ما يجمع هذين الزعيمين أعمق من المصالح المشتركة وأوثق من الاتفاقيات الموقّعة. يجمعهما إيمان راسخ بأن العرب أمة واحدة حين تشاء أن تكون، وأن الكرامة لا تتجزأ، وأن أمن الجار هو أمنك أنت حتى قبل أن يكون واجباً أخلاقياً. ويجمعهما كذلك تلك الرؤية الاستراتيجية الثاقبة التي ترى في الحوار والدبلوماسية سلاحاً لا يُكسر، وفي الوساطة بين المتخاصمين شرفاً لا يضاهيه شرف، وفي خفض لهب الأزمات صناعةً تستحق كل التضحيات.

تنسيقهما المباشر في هذه المرحلة الحرجة ليس ترفاً دبلوماسياً، بل ضرورة استراتيجية فرضتها طبيعة المشهد الإقليمي المعقد. فالأردن بموقعه الجغرافي وثقله السياسي وعلاقاته المتشعبة شرقاً وغرباً يُكمل الدور القطري بامتياز، وقطر بمواردها وعلاقاتها ودورها في الوساطة تفتح أبواباً لا يستطيع غيرها فتحها. وحين يجتمع الزعيمان، لا تتشاور دولتان صغيرتان بل تتداول قوتان إقليميتان حقيقيتان أمرَ منطقة بأكملها.

الملك عبد الله الثاني رجلٌ جمع في شخصه نقيضين نادراً ما يلتقيان: حدة العسكري الذي يعرف كيف يواجه الخطر بلا تردد، ورزانة الدبلوماسي الذي يفهم أن الحروب تُوقَف بالكلمة قبل أن تُوقف بالسيف. وقد رأى العالم كيف تعامل مع أزمات كادت تحرق المنطقة، فلم يُذعن لضغط ولم يُساوَم على ثوابت، واستطاع أن يُبقي الأردن جسراً للتواصل بين جميع الأطراف في وقت انقطعت فيه كثير من الجسور وأُحرقت. رجلٌ يرى الصورة كاملة حين يكتفي الآخرون برؤية زاوية واحدة منها.

والشيخ تميم من جهته زعيمٌ يُعيد تعريف معنى القيادة في هذا الزمن الصعب. لم يرث عرشاً فيُدير مؤسسة، بل استلم أمانة فحوّلها إلى رسالة. قاد بلاده عبر محنة الحصار القاسية وخرج منها أقوى وأكثر صلابة، وعرّض دولته لضغوط جبارة بسبب مواقفها الداعمة للقضايا العربية العادلة، ولم يتراجع. ووقفت قطر في عهده منارةً للدبلوماسية الفاعلة، تستضيف من فوق أرضها صناعة السلام حتى حين قصفت تلك الأرض نفسها، وهذا وحده ضربٌ من الشجاعة لا يملكه إلا العظماء.

كلا الزعيمين يُدرك جيداً أن المنطقة على مفترق طرق لم تشهد مثله، وأن الخيارات المتاحة اليوم ستحدد مسار عقود قادمة. لذلك فإن تنسيقهما لا يقتصر على إدارة الأزمات اليومية، بل يمتد إلى رسم معالم مستقبل إقليمي يقوم على الاستقرار والتوازن واحترام سيادة الدول، بعيداً عن منطق الغاب الذي يحاول بعضهم فرضه بالقوة. وفي غرفة واحدة مع قهوة عربية تفوح برائحة الكرم، يصنع الرجلان السياسة لا ينفذانها فحسب، ويرسمان المستقبل لا يستجيبان له فقط.

العلاقات الأردنية القطرية التي بدأت رسمياً منذ أكثر من نصف قرن، وتجذّرت في محطات الشدة قبل محطات الرخاء، باتت اليوم في عهد الملك والأمير نموذجاً يُحتذى به لما يمكن أن تكون عليه العلاقات العربية حين تقودها إرادة حقيقية وثقة متبادلة. لم تكتفِ قطر في أحلك أيام الأردن بالكلام الطيب، بل قدّمت الدعم المالي والفرص الاقتصادية للأشقاء الأردنيين بلا تردد ولا مقايضة. ولم يكتفِ الأردن بإدانة الاعتداء على قطر من بُعد، بل جاء ملكه بنفسه ليقف على أرضها في أصعب الأوقات.

هذا هو الفارق بين زعيم يُدير دولة وزعيم يقود أمة. الأول يُفكّر في الغد، والثاني يُفكّر في التاريخ. الأول يسأل ماذا أكسب، والثاني يسأل ماذا أُقدّم. والملك عبد الله الثاني والشيخ تميم بن حمد ينتميان بامتياز إلى الصنف الثاني، أولئك القادة الذين يُدركون أن السلطة أمانة لا غنيمة، وأن الشعوب تُحفظ بالكرامة قبل أن تُحفظ بالثروة، وأن العلاقات بين الأمم تبقى وتعمر حين تُبنى على الصدق والوفاء، لا على الحساب والمصلحة العابرة.

في الدوحة، فوق تلك الأرض التي تشهد على صرامة الموقف القطري وثبات الإرادة، التقى القلبان العربيان الكبيران، وكان اللقاء أبلغ من خطاب وأعمق من وثيقة وأصدق من كل ما يمكن أن تقوله الكلمات. قِمَّتان شامختان فوق بحر الاضطرابات، تقولان للمنطقة ولمن يتربص بها: ثمة عرب لا يزالون يؤمنون بأن العزة ليست وهماً، وأن الأخوة ليست شعاراً، وأن التاريخ يكتبه الشجعان الذين لا يتردّدون حين يحين وقت الموقف.

وسيأتي يوم يكتب فيه عن هذه الحقبة المضطربة، وسيقفون طويلاً أمام هذه الزيارة، وهذا اللقاء، وهذين الرجلين اللذين رفضا أن تُطفئ الفوضى نورهما أو أن تُثنيهما العواصف عن مساريهما. سيكتبون أن الأردن وقطر كانتا في هذه المرحلة الحرجة ركيزتين من ركائز الاستقرار الإقليمي، وأن ملك الأردن وأمير قطر كانا من القلائل الذين آثروا الصعب على السهل، وقول الحق على السكوت المريح، والوقوف مع الأخ على التفرج من بعيد.

فتحية للملك الهاشمي الذي يحمل تاج الجدود بكل جدارة، ويمشي على درب الكرام بكل اعتزاز. وتحية لسمو الأمير الذي اختاره شعبه 'المجد'، فكان المجد حقاً في كل موقف وكل قرار. وتحية لهذين البلدين الشقيقين الأردن وقطر، اللذين أثبتا أن العروبة حين تريد أن تعيش فعلاً، فإنها تجد لها رجالاً يستحقون أن تحيا بهم وعلى أيديهم.

مدار الساعة ـ