مدار الساعة - كتبت هدى الخلايلة -
يبدو للوهلة الأولى أن الصين تقف على هامش التصعيد المتعلق بـإيران، وكأنها تراقب التطورات من بعيد دون تدخل مباشر. غير أن قراءة أعمق في موازين القوى الدولية تكشف أن هذا الغياب الظاهري لا يعني غيابًا حقيقيًا عن المعادلة. فإيران ليست مجرد دولة في صراع إقليمي، بل تمثل حلقة أساسية في شبكة المصالح الاستراتيجية الصينية، سواء على مستوى الطاقة أو طرق التجارة أو التوازنات الجيوسياسية.ومن هنا فإن فهم موقع الصين من الحرب على إيران يتطلب النظر إلى المشهد الأوسع، حيث تواجه بكين ما يشبه حصارًا متعدد الأبعاد يشمل البر والبحر والطاقة والمياه والصناعة.الحصار البري والبحري حول الصينتعتمد الصين على شبكة من الممرات البرية والبحرية ضمن مشروع مبادرة الحزام والطريق، يمتد الطريق الرئيسي من الصين مرورًا بـباكستان وإيران وصولًا إلى سوريا ثم البحر المتوسط.هذا الطريق توقف عمليًا عند سوريا بعد تحريرها، ما أفقد الصين أحد أهم منافذها البرية للبحر المتوسط. قبل توقفه، كان الطريق معرضًا لاحتمال الانقطاع عند إيران إذا توسع الصراع، مما يشير إلى أن الصين تواجه خطر فقدان امتدادها البري الحيوي، سواء حاليًا أو مستقبلًا، وهو ما يرفع أهمية البحث عن ممرات بديلة.أما بحريًا، فتواجه الصين طوقًا استراتيجيًا في المحيط الهادئ عبر اليابان وتايوان والفلبين وصولًا إلى جزيرة غوام حيث تسيطر الولايات المتحدة على الجزيرة بشكل مباشر، مما يجعل النفوذ الأمريكي قريبًا جدًا من الصين ويزيد من الضغوط على تحركاتها البحرية. وفي المحيط الهندي، يضاف نفوذ الهند كعامل إضافي يمنع الحركة البحرية التقليدية. لذلك أنشأت الصين خطوطًا استراتيجية للطاقة عبر ميانمار، تسمح لها بالالتفاف على مضيق ملقا والوصول إلى المحيط الهندي بأمان، بعيدًا عن نقاط الاختناق التقليدية.الحصار الطاقوييمثل أمن الطاقة نقطة حساسة بالنسبة للصين، إذ تعتمد بشكل كبير على استيراد النفط والغاز من الخارج. وتعد كل من إيران وفنزويلا من أهم مصادر النفط التي تعتمد عليها الصين، خصوصًا النفط منخفض الكلفة.ولهذا فإن الضغوط الأمريكية على هاتين الدولتين أثرت بشكل كبير على أمن الطاقة الصيني. كما أن طرق نقل الطاقة تمثل بدورها نقطة ضعف استراتيجية، إذ يمر جزء كبير من النفط العالمي عبر مضيق هرمز، بينما تمر نسبة كبيرة من التجارة الطاقوية الصينية عبر مضيق ملقا بين إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة.وقد حاولت الصين تعويض هذا الاعتماد عبر التعاون الطاقوي مع روسيا، إلا أن هذا الخيار يواجه تحديات تتعلق بالبنية التحتية لخطوط الأنابيب البرية التي لم تُطوَّر بالقدر الكافي في الماضي، بسبب اعتماد الصين الطويل على النقل البحري.كما أن التقارب بين موسكو وبكين في مجال الطاقة يثير قلق الولايات المتحدة، التي تسعى إلى منع تشكل محور استراتيجي قوي بين القوتين. ويستحضر بعض المحللين تجربة السبعينيات عندما عمل وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر على التقارب مع الصين لعزل الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة. أما اليوم، فقد تحاول واشنطن منع تقارب موسكو وبكين للحفاظ على فعالية الضغوط المفروضة على الصين. البعد المائي في التنافس الجيوسياسيلا يقتصر التنافس الاستراتيجي في آسيا على الطاقة والتجارة، بل يمتد أيضًا إلى الموارد الطبيعية الأساسية مثل المياه. وتعد هضبة التبت أحد أهم الخزانات المائية في القارة الآسيوية، حيث تنبع منها أنهار كبرى تغذي مساحات واسعة من آسيا.ولهذا تكتسب المنطقة أهمية استراتيجية لكل من الصين والهند والدول المجاورة. كما أن التغيرات السياسية في دول مثل نيبال وبنغلاديش تضيف بعدًا جيوسياسيًا جديدًا لمسألة الموارد المائية.وتزداد حساسية هذا الملف مع وجود توترات داخلية في مناطق مثل التبت وشينجيانغ، ما يجعل إدارة هذه الموارد جزءًا من معادلة الأمن القومي الصيني. الحصار الصناعي وإعادة تشكيل الاقتصاد العالميإلى جانب الضغوط الجيوسياسية، تواجه الصين تحديًا يتعلق بمكانتها كـ"مصنع العالم". فقد أصبحت سلاسل التوريد العالمية خلال العقود الماضية تعتمد بشكل كبير على الصناعة الصينية، إلا أن التحولات السياسية والاقتصادية دفعت بعض القوى الكبرى إلى محاولة تقليل هذا الاعتماد.وفي هذا السياق برزت الهند كأحد أبرز البدائل المطروحة لتكون مركزًا صناعيًا عالميًا منافسًا. كما ترتبط هذه التحولات بإعادة رسم الممرات التجارية في المنطقة.فالصين كانت تراهن على مشاريع استراتيجية مثل تطوير ميناء جوادر في باكستان ضمن الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، وهو جزء من مبادرة الحزام والطريق. إلا أن ظهور ممرات تجارية بديلة تربط الهند بالشرق الأوسط وأوروبا قد يؤدي إلى منافسة مباشرة مع الطرق التي تعتمد عليها الصين.الطاقة النظيفة كخيار استراتيجي للبقاءفي ضوء هذه الضغوط المتعددة، تدرك الصين أن اعتمادها الكبير على الطاقة الأحفورية المستوردة يمثل نقطة ضعف استراتيجية. وإذا خسرت معركتها أمام الضغوط الأمريكية، فإن قدرتها على البقاء كقوة عالمية قد تتضاءل، وما يظل لها هو الوقت فقط.ولهذا تسعى الصين إلى تسريع التحول نحو الطاقة النظيفة، ليس فقط لأسباب بيئية بل أيضًا لتعزيز استقلالها الطاقوي. فهي تستثمر بكثافة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية، وتسعى لتطوير الصناعات والتكنولوجيا المرتبطة بها، بهدف تقليل الاعتماد على النفط والغاز المستوردين.وبذلك قد يتحول الرهان الصيني في المستقبل من السيطرة على طرق الطاقة التقليدية إلى قيادة الثورة العالمية في تكنولوجيا الطاقة النظيفة، في محاولة لتحويل نقطة ضعفها الطاقوية إلى مصدر قوة جديد في النظام الدولي.الخلايلة تكتب: أين الصين من الحرب على إيران؟
مدار الساعة ـ











