أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

خطة طوارئ أردنية احترازية


سلامة الدرعاوي

خطة طوارئ أردنية احترازية

مدار الساعة (الغد) ـ

ماذا لو طالت الحرب؟ أمر وارد، وهو بحاجة لاستعداد مسبق يحتاط من أي سيناريوهات مستقبلية قد تؤثر على الاستقرار الاقتصادي في البلاد.

نعم الحكومة تحركت سريعا في عدة اتجاهات لتأمين انسياب السلع والخدمات، لكن تأثير هذا قد يكون لفترات محدودة لا تتجاوز الشهر، وهو أمر طبيعي، لأن الضغوطات التي تخلفها الحرب في المنطقة خارجية وليس للحكومة أي قدرة للسيطرة على تأثيراتها، مثلها مثل باقي الدول المتلقية للصدمات.

في كل مرة تتصاعد فيها التوترات الجيوسياسية، يعود الحديث في الأردن عن دعم المشتقات النفطية كأحد الخيارات المطروحة للتعامل مع ارتفاع الأسعار، غير أن هذا الخيار، رغم ما يبدو عليه من استجابة سريعة للضغوط الاقتصادية، يحمل في طياته محاذير مالية كبيرة يجب التنبه لها، خاصة في ظل التجارب السابقة التي ما زالت آثارها حاضرة في المالية العامة للدولة.

فالتجربة الأقرب ما حدث خلال حرب أوكرانيا، حيث بلغت كلفة دعم المشتقات النفطية آنذاك نحو 500 مليون دينار، وهو رقم كبير بالنسبة لاقتصاد بحجم الاقتصاد الأردني، اليوم يعود النقاش من جديد في ظل ارتفاع أسعار النفط جراء الحرب التي تعيشها المنطقة، بينما بُنيت تقديرات الموازنة العامة أساساً على أسعار تقارب 65 دولاراً للبرميل.

المشكلة الأساسية أن التعامل مع مثل هذه الظروف يجب أن يكون ضمن ما يمكن وصفه بإجراءات احترازية طارئة، أي أن النقاش الحقيقي يجب أن يكون داخل مؤسسات الدولة حول سيناريوهات طويلة الأمد، وليس على أساس افتراض أن الأزمات الجيوسياسية ستكون قصيرة.

التجربة الحالية في المنطقة تؤكد ذلك، فقد قيل في بداية حرب غزة إن الحرب قد تنتهي خلال أسبوعين أو ثلاثة، لكنها استمرت لما يقارب سنتين وما تزال تداعياتها الاقتصادية والسياسية قائمة حتى الآن.

ومن هنا يبرز السؤال الذي يجب أن يطرح بوضوح: ماذا لو طالت الحرب الحالية؟ فكلما امتد أمد الصراع الإقليمي أو الدولي، تتحول الإجراءات المؤقتة إلى أعباء مالية متراكمة.

وفي حالة الأردن، فإن استمرار ارتفاع أسعار النفط لفترة طويلة يعني أن الحكومة قد تجد نفسها مجبرة على العودة إلى سياسات الدعم، سواء لدعم الغاز المستخدم في توليد الكهرباء أو دعم أسعار المشتقات النفطية، وهو ما يقود مباشرة إلى زيادة العجز في الموازنة وارتفاع مستويات المديونية.

فالإنفاق اليومي على الطاقة يشكل عبئاً واضحاً على الموازنة، وسترتفع أكثر نتيجة استخدام الوقود لتوليد الكهرباء، ومع أي ارتفاع كبير في الأسعار العالمية للنفط، خصوصاً مع الوصول إلى مستويات 100 دولار للبرميل، فإن الضغط على الموازنة سيتضاعف، وقد يتكرر السيناريو الذي شهدناه خلال حرب أوكرانيا عندما وصلت كلفة الدعم إلى نصف مليار دينار.

ولا يقتصر الأمر على الطاقة فقط، فارتفاع أسعار النفط ينعكس عادة على أسعار السلع والخدمات عالمياً، خصوصاً مع ارتفاع كلف الشحن والتأمين والنقل البحري، وهذا يعني أن أسعار السلع الأساسية مرشحة للارتفاع بعد فترة قصيرة، وهو ما يضيف ضغوطاً جديدة على الخزينة، خاصة فيما يتعلق باستيراد القمح والشعير والأعلاف.

في المقابل، لا بد من الإشارة إلى أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة حتى الآن في الموانئ، وفي تسهيل دخول السلع، وعقد الاجتماعات مع شركات الملاحة، إضافة إلى دعم المؤسسة الاستهلاكية المدنية، تعكس إدراكاً رسمياً لحجم التحديات ومحاولة التعامل معها من منطلق التحوط.

لكن إذا استمرت الحرب لأكثر من شهر وتوسعت تداعياتها، فإن المرحلة المقبلة قد تتطلب إجراءات مالية واقتصادية أكثر حذراً، ومن بين هذه الإجراءات التفكير في برامج لإدارة استهلاك الطاقة بشكل أكثر كفاءة، بما في ذلك إمكانية اللجوء إلى تنظيم استهلاك الكهرباء بشكل مبرمج في بعض القطاعات المنزلية في المراحل الأولى، بهدف تخفيف الضغط عن فاتورة الطاقة.

كما يصبح من الضروري أيضاً إعادة النظر في النفقات الرأسمالية ضمن الموازنة، فمع أن الحكومة تسعى إلى تنفيذ الموازنة كما أُقرت، إلا أن الظروف الاستثنائية قد تفرض مراجعة بعض بنود الإنفاق الرأسمالي وتأجيل جزء منها، لأن الأولوية في مثل هذه الظروف يجب أن تكون لتحقيق الاستقرار الاقتصادي وليس تحقيق معدلات نمو مرتفعة.

وفي الوقت نفسه، يصبح تعزيز دور المنتج الصناعي المحلي أمراً أساسياً، من خلال دعم حضوره في الأسواق المحلية وتشجيع الاعتماد عليه في تلبية احتياجات الغذاء والمواد الأساسية، كما ينبغي توفير التسهيلات للموردين للحصول على مدخلات الإنتاج والمواد الأولية، بما يضمن استمرار تدفق السلع الأساسية للأسواق بأقل قدر ممكن من الاضطرابات.

في النهاية، فإن إدارة الأزمات الاقتصادية لا تقوم على ردود الفعل الآنية، إنما على قراءة دقيقة للسيناريوهات المحتملة، والاستعداد المسبق لها.

والسؤال الذي يجب أن يبقى حاضراً في النقاش الاقتصادي اليوم ليس فقط كيف نتعامل مع ارتفاع الأسعار الآن، لكن ماذا لو طالت الحرب، وكيف يمكن للاقتصاد أن يتجنب تكرار كلف مالية كبيرة قد يصعب احتواؤها لاحقاً.

مدار الساعة (الغد) ـ