أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الاردن ورجالات الدولة في زمن القلق الإقليمي


الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق

الاردن ورجالات الدولة في زمن القلق الإقليمي

الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق
مدار الساعة (الغد) ـ

في تاريخ الدول، لا تبدأ لحظات الخطر الحقيقية عندما تتكاثر الأزمات حولها، ولا عندما تضيق الخيارات في محيطها الإقليمي، بل عندما يقلّ فيها رجال الدولة. فالأوطان تستطيع أن تواجه الحصار والضغوط والحروب، وتتكيف مع قسوة الجغرافيا وضيق الموارد، لكنها تصبح أكثر هشاشة عندما تفتقد النخب التي ترى في الدولة رسالةً ومشروعًا تاريخيًا، لا وظيفة مؤقتة تُدوَّن في سيرة شخصية، وانتظار للدور القادم في السلطة.

فالمؤسسات يمكن بناؤها، والقوانين يمكن تعديلها، وحتى الأزمات الاقتصادية يمكن تجاوزها، لكن ما لا يمكن تعويضه بسهولة هو العقل السياسي الذي يفكر بمقياس الدولة لا بمقياس الموقع، وانهيار التعليم.

التاريخ يعلمنا أن الدول لا تنهار عادةً بضربة خارجية، بل تبدأ مؤسساتها بالتآكل عندما يكثر فيها السياسيون ويقل فيها رجال الدولة. فالفرق بين الاثنين ليس في المنصب، بل في الأفق الذي يرى من خلاله كل منهما الوطن.

السياسي يفكر غالبًا في اللحظة السياسية التالية: الحكومة القادمة، أو الموقع التالي، أو العودة إلى المشهد بعد دورة انتخابية أو سياسية أخرى. أما رجل الدولة فيفكر في الأجيال القادمة وفي الدورة التاريخية للدولة نفسها. السياسي يقيس قراراته بميزان الربح والخسارة الشخصية، بينما يقيسها رجل الدولة بميزان المصلحة الوطنية الكبرى وبعيدة المدى.

ولهذا قد تمتلئ الدول بالسياسيين، لكنها لا تنهض إلا عندما يظهر فيها رجال دولة حقيقيون يرون في الوطن مشروعًا تاريخيًا يستحق الدفاع عنه، لا فرصة سياسية ينبغي اقتناصها.

في الحالة الأردنية تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحًا. فالأردن لم يكن يومًا دولة سهلة في جغرافيتها أو في بيئتها الإقليمية. فقد نشأ في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا، حيث تتبدل التحالفات باستمرار وتُعاد صياغة خرائط النفوذ الدولية كل عقد تقريبًا.

ومع ذلك استطاعت الدولة الأردنية أن تبقى ثابتة في لحظات انهارت فيها دول في الإقليم أو استنزفتها الصراعات الداخلية.

لم يكن ذلك نتيجة وفرة الموارد، فالأردن دولة محدودة الإمكانات، ولم يكن نتيجة تفوق اقتصادي كبير، بل كان ثمرة عقل قيادي للدولة، تشكل عبر عقود طويلة من الخبرة والحكمة.

فمنذ تأسيس الإمارة على يد الملك المؤسس عبد الله الأول بن الحسين، مرورًا بمرحلة بناء الدولة الحديثة في عهد الملك الحسين بن طلال، وصولًا إلى مرحلة إدارة التحولات الإقليمية الكبرى في عهد الملك عبد الله الثاني بن الحسين، ظل الأردن مثالًا للدولة التي تقودها حكمة القيادة قبل صخب السياسة.

لقد نجحت القيادة الهاشمية عبر عقود طويلة في السير بين ألغام الجغرافيا السياسية للمنطقة، وإدارة توازنات دقيقة بين القوى الإقليمية والدولية في بيئة لا تسمح بكثير من الأخطاء.

غير أن قوة القيادة وصلابة المجتمع حولها لا تغني عن حاجة الدولة إلى رجال دولة يشاركونها حمل المسؤولية التاريخية.

فالدولة قد تبني مؤسسات حديثة وتضع قوانين متقدمة، لكن هذه المؤسسات تفقد روحها عندما يديرها بعض من السياسيون، الذين ينظرون إليها بوصفها محطة في مسارهم الشخصي. عندها يتغير معنى السلطة نفسها؛ فهي لم تعد مسؤولية وطنية، بل فرصة للتموضع داخل شبكة المواقع والنفوذ، وتبدأ المؤسسات بالتآكل ببطء قبل أن تفقد قوتها.

وفي كثير من الدول المتقدمة يُعدّ الخروج من المنصب لحظةً لمراجعة التجربة واستخلاص الدروس. أما في بعض تجاربنا السياسية، فيتحول الخروج من المنصب إلى فترة انتظار حتى تعود دورة التدوير السياسي من جديد.

الأسماء ذاتها تعود إلى المشهد بوجوه مختلفة، وكأن السياسة تدور في حلقة مغلقة من المواقع المتبادلة. لا أحد يراجع التجربة بصدق، ولا أحد يسأل بوضوح: ماذا تغير فعليًا؟ وما الذي أُنجز حقًا؟

وهكذا تتحول مؤسسات الدولة تدريجيًا إلى مساحة لإعادة توزيع الأدوار أكثر مما هي ساحة لإنتاج الأفكار والسياسات.

المفارقة الأكثر إيلامًا أن بعض من شغلوا مواقع متقدمة في الدولة يصبحون بعد خروجهم منها أكثر انشغالًا بتفسير ما جرى لهم شخصيًا من انشغالهم بما يجري للوطن. وكأن الموقع في الدولة عندهم تجربة شخصية لا مسؤولية وطنية.

انه لأمر مؤسف ان نرى بعض من كان بالأمس يتحدث باسم الدولة ويتخذ قرارات كبرى باسمها، ثم ما إن يغادر موقعه حتى يختفي صوته، وكأن الدولة، لم تعد تعنيه.

وكم من معارض صاخب اكتشف فجأة فضائل السلطة عندما اقترب منها، ثم عاد إلى المعارضة عندما ابتعد عنها، وكأن الدولة مجرد مسرح لتبادل الأدوار.

في هذه الدائرة الرمادية تختلط المواقف بالمصالح، وتضيع الحدود بين الموقف السياسي والموقع السياسي.

لكن رغم كل ذلك، يبقى العنصر الأكثر صلابة في المعادلة الأردنية هو القيادة الهاشمية والمجتمع الأردني نفسه. فهذا المجتمع أثبت في لحظات الخطر الكبرى أن ولاءه للدولة والقيادة ليس مجرد شعار سياسي، بل عقد تاريخي عميق.

فالأردنيون يدركون أن استقرار دولتهم ليس تفصيلًا في جغرافيا المنطقة، بل شرط أساسي للبقاء.

ولهذا ظل الأردن، في أكثر اللحظات الإقليمية اضطرابًا، قادرًا على الحفاظ على تماسكه الداخلي رغم قسوة التحديات.

الأردن اليوم يقف في منطقة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا وتحولًا. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية لا تحتاج الدول إلى مزيد من الخطب أو الحسابات الصغيرة، بل إلى رجال دولة حقيقيين؛ رجال لا تتغير بوصلتهم بتغير مواقعهم، ولا يقيسون مواقفهم بفرص العودة إلى السلطة، بل بقدر ما يخدمون الدولة.

فالأوطان لا تُدار بمنطق الانتظار، ولا تُبنى برجال يقفون على مسافة واحدة بين الولاء للقيادة والفرصة.

ولهذا فإن اللحظة التي يعيشها الأردن اليوم ليست لحظة مجاملات سياسية ولا مساحة لتصفية الحسابات الصغيرة. فالمنطقة تتحرك بعنف، والخرائط تتغير، والدول التي لا تتماسك من الداخل تتحول سريعًا إلى ساحات مفتوحة لصراعات الآخرين.

الأردن لم يبقَ ثابتًا طوال العقود الماضية بالصدفة، بل بقي لأنه كان يمتلك قيادة تعرف كيف تدير التوازنات الصعبة، وشعبًا يعرف أن الدولة هي الضمانة الأخيرة للاستقرار في منطقة لا تعرف الاستقرار.

الأردن اليوم لا يحتاج إلى بعض النخب، التي تعيش على الذاكرة السابقة، ولا إلى معارضات موسمية تظهر عندما تُغلق أبواب السلطة وتختفي عندما تُفتح. فالدولة لا يمكن أن تبقى قوية إذا تحولت السياسة فيها إلى موسم انتظار للمواقع أو إلى دورات تدوير للنخب نفسها.

الأردن يحتاج إلى رجال دولة يدركون أن قيمة السياسي لا تُقاس بعدد المواقع التي شغلها، بل بقدر ما تركه من أثر في الدولة والمجتمع.

الأردن اليوم، يحتاج ايضاً الى رجال دولة حقيقيين يظلون أوفياء للقيادة والدولة حتى بعد مغادرة المنصب.

ومن يرى في الدولة مشروعًا وطنيًا فمكانه واضح: مع الأردن، ومع قيادته الهاشمية، ومع استقراره.

فالأوطان لا تُبنى برجال يقفون على العتبة بين الولاء والانتظار، بل برجال يعرفون أن الدولة مسؤولية لا تنتهي بانتهاء المنصب.

فالأردن، بقيادته الهاشمية وشعبه الواعي، أكبر من أن يكون ساحة لمغامرات بعض النخب أو حساباتها المؤقتة.

مدار الساعة (الغد) ـ