أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

مساعدة يكتب: سواليف على بسطة الفيس بوك


جهاد المساعدة

مساعدة يكتب: سواليف على بسطة الفيس بوك

مدار الساعة ـ

في هذا السوق الرقمي، لم يعد الكذب يُقال همسًا… بل يُباع بالمفرق على بسطة الفيس بوك.

في الفضاء الأزرق لا تُباع الخضار فقط… بل تُباع السواليف أيضًا.

في المدن القديمة كان للحارات حارس ليل؛ يضرب الأرض بعصاه كل ساعة ليطمئن الناس أن المدينة ما زالت آمنة. أما في زمن الفيس بوك، فلم تعد الحارات تحتاج إلى حارس، لكن ظهر نوع جديد من الحراسة: حارسة الفيس بوك.

لا تحمل عصًا ولا مفاتيح لبوابة، لكنها تجلس أمام شاشة مضيئة على كرسي مكسور، تراقب الأسماء كما يراقب بائع الخضار صناديقه القديمة بحثًا عن حبّة تصلح للمناداة. كل اسم لديها يصلح منشورًا، وكل خبر يصلح حكاية، وكل حكاية تصلح اتهامًا.

قالوا لها: اقرئي قبل أن تكتبي. وقالوا: تحققي قبل أن تنشري. وقالوا: الكلمة ميزان. لكن الحارسة لم يكن في رأسها ما يسمع.

مدّت يدها إلى الذكاء الاصطناعي ليكتب لها الحكاية. آلة تعرف ترتيب الجمل، لكن صاحبة الحكاية ما زالت تتعثر بين الفعل والفاعل.

وفي الليل، حين ينام الناس وتهدأ الشوارع من الحركة، تفتح الحارسة بوابة المنشورات. فتتحول الصفحة إلى مكبر صوت قديم في سيارة “بك أب” تجوب الأزقة والحارات صارخة: ثلاث جاجات بدينار… ثلاث جاجات بدينار، يا أبو العيال.

كانت فيروز تغني يومًا: ريما… أغنية هادئة تمر مثل نسمة بين الحقول. لكن الزمن تغيّر، واللحن نفسه خرج اليوم من الفضاء الأزرق بصوت آخر: ريما الحندئة. لا تمشي بين الزهور، بل بين المنشورات، ولا تغني للحب، بل تبيع السواليف الكاسدة على بسطة الفيس بوك.

النداء نفسه صار يتردد هذه المرة بين تركيا وجورجيا وروسيا. المسافات اتسعت، لكن البضاعة بقيت كما هي: جعجعة كثيرة، وصناديق لا يسأل أحد عمّا في قاعها.

والمفارقة أن ريما الحندئة لا تجد قضية تدافع عنها إلا حين يتعلق الأمر بتلميع الفشل. فالفاشلون عندها أبطال، والإخفاق مجرد سوء فهم، وبذاءة اللسان وثرثرته دليل بطولة.

تدافع عن الفاشلين كأن الفشل وسام. رسبت صديقتها في اختبارات الهيئة، لكن جنون العظمة لم يسقط. جلست على الكرسي في زمن أبي الشعر الممعوط، كأن الزمن نفسه أصابه التعب. ورغم الفشل تجاوزت الحدود، حتى صار الحوت في البحر يئنّ، وصارت الأسماك تهجر الماء من نتن الحكاية.

وفي أول اختبار لها سقط القناع عنها. انتهى التكليف وأُغلق الباب، ومنذ ذلك اليوم بقيت الحكاية تحرس نفسها في قفص ضيق لا يسمع فيه أحد إلا صرير الحكايات القديمة.

المشهد اليوم يشبه حسبة الخضار حين يرفع الباعة أصواتهم لترويج صناديق تخفي في أسفلها فاكهة عفنة. ويشبه بسطات الأرصفة التي تفرش كل شيء على الأرض ثم تصرخ: اقتربوا… اقتربوا.

لكن الحقيقة لا تُباع على البسطات، والكلمة التي تولد من الكذب تموت سريعًا، حتى لو ارتدى صاحبها قناع البطولة.

وفي هذا السوق الصاخب من المنشورات يبدو أن يهوذا الإسخريوطي لم يغادر المسرح بعد؛ لقد استبدل الثلاثين من الفضة بمنشورٍ على الفيس بوك، وكأن التاريخ يعيد نفسه، لكن هذه المرة على بسطة الفضاء الأزرق.

وفي نهاية هذا السيرك الطويل من المنشورات لن يبقى شيء: لا قضية، ولا بطولة، ولا حقيقة. سيبقى فقط مكبر صوت قديم يثرثر في الفضاء الأزرق: ثلاث جاجات بدينار… يا أبو العيال.

ولن يشتري منها إلا فقراء الأخلاق الذين يصفقون للبضاعة قبل أن يتأكدوا مما في الصندوق.

تسكت ريما الحندئة لحظة لتبحث عن إعلان جديد. ربما غدًا لن تكون جاجات… ربما فقط حكاية أخرى تولد من الكذب وتُعرض للبيع على بسطة الفيس بوك.

أليس كذلك يا حندئة؟

مدار الساعة ـ